محمد جواد مغنية

219

في ظلال نهج البلاغة

الإمام يفسر بعضه بعضا ، لأن مصدره واحد . . وكلنا يعلم أن الناس يذكرون الانسان بعد وفاته بأفعاله وصفاته ، وان العلم من الصفات الجلَّى . ( والآداب حلل مجددة ) . الحلل المجددة كناية عن البهجة والزينة الدائمة ، والمراد بالآداب هنا الصفات الحميدة عند العقل والعقلاء ، كالبلاغة والذكاء وحسن السلوك ، وما إلى ذاك من الفضائل الشخصية والاجتماعية . . نقول هذا مع العلم ان تحديد المفاهيم ومعاني الألفاظ من أدق الأشياء وأصعبها . . ولكن هذا ما فهمناه من سياق الكلام ، أو منطق الواقع ، فإن كان هذا ما أراده الإمام من كلامه هنا فذاك ، وإلا فإن الإمام لا يرفض المعنى الذي فهمناه لأنه حق في نفسه ومن حيث هو . ( والفكر مرآة صافية ) المراد بالفكر هنا القوة المدركة العاقلة التي إذا أعملها الإنسان بعيدا عن الهوى والمحاكاة دلت على الحق والصواب ، وكنّى الإمام عن هذه الدلالة الصادقة بالمرآة الصافية التي تعكس الشيء كما هو في واقعه . وأخذنا هذا التفسير من قول الإمام في الرسالة 30 : « من تفكَّر أبصر » وقوله في الحكمة 113 « لا علم كالتفكير » أي ان العلم بلا تفكير أكثر خطورة من التفكير الذي لا يدعمه علم ، كما قال كونفوشيوس . 5 - صدر العاقل صندوق سرّه . والبشاشة حبالة المودّة . والاحتمال قبر العيوب ( أو ) والمسالمة خباء العيوب . ومن رضي عن نفسه كثر السّاخط عليه . المعنى : ( صدر العاقل صندوق سره ) بعض الحاجات لا يستقيم قضاؤها إلا بالكتمان ، ومن الجهل والحمق إفشاؤها وإذاعتها . . وكان النبي ( ص ) إذا أراد غزوا ورّى . ومن ضاق بسره فلا يلومن من أفشاه . والحق خاص بصاحبه ، وعلى كل إنسان أن يحترم هذا الحق ويقدسه ، ويحرم التجسس عليه . . ولكن الغرب قد انتهك هذا الحق ، واخترع للتجسس على الشعوب والبيوت والأفراد آلات مذهلة شديدة الدقة ، وقد هددت حرية الإنسان وأصبحت حياته وأسراره مشاعا للذين يملكون