محمد جواد مغنية

183

في ظلال نهج البلاغة

إلى كثير من صور الحياة المتنافرة المتناقضة . . فتأخذ درسا نافعا مما ترى - على الأقل - وتعلم أن وراء دنياك دنيا أعرض وأعمق . . وقرأت لصحفيّ زار جزيرة هونغ كونغ ، ومن جملة ما قال في وصفها : فيها أفخم السيارات ، وفيها العربات يجرها الإنسان بدلا عن الحيوان ، وفيها الذهب الأصفر ، وفيها ناس وجوههم كالذهب الأصفر من البؤس ، وفيها الناطحات للسحاب ، والناطحون للأرض . ( وأقصر رأيك على ما يعنيك ) دع الفضول والتطفل ، وانصرف لشأنك ( وإياك ومقاعد الأسواق إلخ ) . . لأن فيها سمسرات ومساومات ، وغشّا وربا ، وبذاءات وخصومات على الحقير واليسير من متاع الدنيا ( وأكثر أن تنظر إلى إلخ ) . . من هو دونك لترى نعمة اللَّه عليك ، فتشكر وتتواضع . . ولكن كثيرا من الأغنياء إذا رأوا من دونهم مالا أخذتهم العزة بالإثم . التعطيل يوم الجمعة : ( ولا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلخ ) . . لا يجب التعطيل في يوم الجمعة ، بل ولا يستحب أيضا إلا عند الصلاة فقط . . وبعدها يستحب العمل وطلب الرزق ، وهو تماما كالصلاة وسائر العبادات من حيث الأجر والثواب ، قال تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ ا للهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ ا للهِ وَاذْكُرُوا ا للهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) * - 10 الجمعة . أمر سبحانه بترك العمل عند النداء للصلاة والسعي إلى ذكر اللَّه . . وبعد أداء الصلاة على وجهها أمر بالسعي وتحصيل الرزق وسؤال اللَّه من فضله عن طريق العمل ، ومعنى هذا ان السعي يوم الجمعة من أجل الحياة مأمور به تماما كسائر الأيام ، بل هو عبادة تماما كالسعي إلى الصلاة ، لأن الأمرين معا جاءا جنبا إلى جنب في سياق واحد ، وكل منهما نسب إلى اللَّه : « فاسعوا إلى ذكر اللَّه . . وابتغوا من فضل اللَّه » . وهنا تكمن عظمة الاسلام وحقيقة الإسلام حيث أمر بالعمل للمادة والروح ، لأن الإنسان انسان بهما لا بإحداهما : * ( الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً ) * - 46 الكهف . . بنون ومال وعبادة وسعي للحياة وللمعبد ، والكل من اللَّه وللَّه ، ولا شيء لقيصر .