محمد جواد مغنية

129

في ظلال نهج البلاغة

لك ، فإنها دعوة الحق والعدل ، فإن أعرضت ونأيت كنت من الهالكين ( فعدوت على الدنيا بتأويل القرآن ) . طلب معاوية السلطان تحت راية قميص عثمان ، واتخذ من كتاب اللَّه ذريعة لغرضه ، وقال : جاء في القرآن * ( مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّه ِ سُلْطاناً ) * - 33 الإسراء وأنا ولي دم عثمان ، واذن فأنا السلطان . ولما حكم معاوية وسيطر لم يأخذ واحدا من قتلة عثمان بجريرته ، بل كان يقرب بعضهم ويجيزه بالمال ، كما أشرنا في شرح الرسالة 36 . ورفع معاوية المصاحف بصفّين حيلة وغيلة لما أيقن بالهلاك ، وكان من ثمار هذه الحيلة انشقاق المسلمين ، ووجود الخوارج في كل عصر وجيل . وهكذا كان تلاعب معاوية بآيات القرآن هو الوسيلة لوصوله إلى الحكم واستمراره فيه . . وكان من نتيجة أطماعه توزيع المسلمين إلى شيع وأحزاب . قال العقاد في كتاب « معاوية » : « لو حاسب التاريخ معاوية حسابا صحيحا لما وصفه بغير مفرق الجماعات . . ولو استطاع معاوية أن يجعل من كل رجل في دولته حزبا منابذا لغيره لفعل » . ( فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني إلخ ) . . من دم عثمان ، وتقدم في الرسالة 36 احتجاج الإمام على معاوية بقوله : « فأما إكثارك اللجاج على عثمان وقتله فإنك نصرت عثمان حيث كان النصر لك ، وخذلته حيث كان النصر له ( وألَّب عالمكم جاهلكم ، وقائمكم قاعدكم ) يشير الإمام بهذا إلى العلماء والخطباء الذين باعوا دينهم لمعاوية كي يكيّفوا له الدين والقرآن وفقا لشهواته وأغراضه . وفي كتاب » الصراع بين الأمويين ومبادئ الاسلام « لنوري جعفر ص 65 طبعة 1965 : ذكر الطبري ان معاوية بذل لسمرة بن جندب مئة ألف ليروي نزول الآية 204 من سورة البقرة في علي بن أبي طالب ، وهي : * ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُه ُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ ا للهَ عَلى ما فِي قَلْبِه ِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ، وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) * . وأيضا يروي نزول الآية 207 من سورة البقرة في ابن ملجم ، وهي » ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللَّه « . فرفض سمرة فضاعف له معاوية الرشوة إلى أربعمائة ألف فقبضها ، وروى ما أوحى به معاوية » . بهذا الافتراء وكثير من مثله على اللَّه ورسوله - أزلفت الدنيا وزينتها لمعاوية ، ومن هنا قال أبناؤها : معاوية سياسي وداهية ، وعلي لا يعرف السياسة ، ونحن