محمد جواد مغنية
112
في ظلال نهج البلاغة
الشرط الأساسي في الصلح : ( ولا تدفعن صلحا دعاك اليه عدوك ، وللَّه فيه رضا ) . هذا القيد : « للَّه فيه رضا » هو الشرط الأساسي في الصلح ، لأن السارق والقاتل كليهما يطالب بالصلح والسلام على شرطه ومنطقه ، وهو أن يمارس مهنته بدعة وأمان بلا بأس ووجع رأس . . ومثل هذا الشرط - في وضوحه وبساطته - شروط الاستعمار الجديد ، وتتلخص بوجود حكومة عميلة ، واقتصاد موجه لمصلحته ، وجهاز إداري وعسكري تابع لإرادته . . ويكتفي الاستعمار الجديد بذلك ، ويتنازل عن كل شيء سواه . وأعترف بأنه لولا معرفتي بالاستعمار وشروطه ما فطنت ولا فهمت الهدف الذي رمى اليه الإمام بقوله : « للَّه فيه رضا » ومن البداهة ان الصلح الذي فيه للَّه رضا هو بالذات الصلح الذي فيه خير للناس وصلاح ، من ضمان الأمن والحرية ، وصيانة الحقوق التي تقطع مادة النزاع والقتال ، وتريح الجنود من الحرب ، والشعب من الهم والكرب ، كما أشار الإمام : ( فإن في الصلح دعة لجنودك ، وراحة من همومك ، وأمنا لبلادك ) . ويستحيل أن يتحقق شيء من ذلك إلا إذا كان الصلح والسلام على أساس مرضاة اللَّه أي الحق والعدل . ( ولكن الحذر كل الحذر إلخ ) . . لا تثق وتغير بعدوك لمجرد حصول الوفاق بينك وبينه ، وان كانت الشروط صالحة ومرضية ، فإن الظالم الطامع يترقب الفرص للوثوب والنكث بالعهد ، فاجعل عينك عليه ، واحترز مما يجوز وقوعه منه ، وعامله بالتحفظ شأن الحازم الحكيم . ( وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة إلخ ) . . إذا سبق أن قطعت على نفسك عهدا فقد صار وثاقه في عنقك ، ولا مناص لك منه إلا بالوفاء ( واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت ) . قال رسول اللَّه ( ص ) : « من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليف إذا وعد » ومعنى هذا أن من ارتبط مع عبد من عباد اللَّه - بوعد أو عهد فقد ارتبط مع اللَّه بالذات ، وكما يجب الجهاد بالنفس من أجل الوفاء معه تعالى كذلك يجب هذا الجهاد من أجل الوفاء مع عباد اللَّه . ( فإنه ليس من فرائض اللَّه شيء إلخ ) . . الواجبات الإلهية كثيرة ، وقد تهاون الناس فيها ، أو في أكثرها إلا الوفاء بالوعد ، فقد اتفقت العقول قديمها