محمد جواد مغنية
76
في ظلال نهج البلاغة
( لا يعجزه شيء - إلى - ضره ) . هو القوي ذاتا ، ولا حول ولا قوة إلا به ومنه ، وكل شيء خاضع له ، فكيف يفوته ويمتنع عنه ما طلب ، أو يطلب المعونة من معين . ( ولا كفء له إلخ ) . . لو كان في الوجود إلهان ، وعجز كل منهما عن القضاء على صاحبه - ولو بحسب الإمكان - لانتفت صفة الألوهية عنهما معا ، لمكان العجز ، وإن قدر كل منهما على الآخر تناحرا وانتهى الأمر ، وكان وجودهما سببا لعدمهما ، على حد ما قال صاحب « الأسفار » ( هو المفني لها إلخ ) . . يوجدها ثم يفنيها ، ولا يبقى إلا وجهه الكريم . ومن البداهة ان الإفناء أيسر من الإيجاد ، والهدم أهون من البناء . . ويصلح هذا ردا على من قال : إن المادة أزلية أبدية لا بداية لها ولا نهاية . ( وكيف ولو اجتمع - إلى - إنشائها ) . كيف ينكر الدهريون والماديون فناء الكون ، وهم يعلمون انه لو اجتمعت الكائنات الحية بشتى أنواعها ، من يعقل منها ، وما لا يعقل ، وحاولت جاهدة أن توجد بعوضة على تفاهتها - لعجزت خاسئة معترفة بعجزها ، وإذن فإحداث الشيء وإيجاده أصعب من إفنائه واعدامه ، قال تعالى : * ( « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَه ُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ ا للهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه ُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوه ُ مِنْه ُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) * - 73 الحج » . مذعنة بالضعف عن افنائها ) أي عن إفناء جنس البعوض من الوجود ، أو إفناء بعوضة امتنعت بالهرب ، واختفت عن الأعين . وتجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم أخبر منذ ألف وأربعمائة سنة بأن الناس لا يستطيعون خلق ذبابة ، وقد عجز العلم والعلماء عن ذلك ، وهذا إخبار بالغيب ، فكيف أتيح لمحمد العلم به إذا لم يكن وحيا من اللَّه . ( وان اللَّه سبحانه يعود - إلى - فنائها ) . كان اللَّه ولم يكن معه شيء ، ويبقى بعد فناء كل شيء ( بلا وقت ولا مكان إلخ ) . . المكان جسم أو وضع خاص للجسم ، والزمان المعروف بالسنين والشهور والأيام والساعات والثواني هو عبارة عن دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ، وبعد فناء كل شيء لا أرض ولا شمس ، ولا أجسام واحداث فمن أين يأتي الزمان والمكان والفوق والتحت واليمين والشمال والماضي والحاضر ( فلا شيء إلا الواحد القهار الذي اليه مصير جميع الأمور ) منه تبتدىء ، واليه تنتهي ( بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها إلخ ) . . هذا رد على من قال : ان الأشياء وجدت أول ما وجدت من