محمد جواد مغنية
77
في ظلال نهج البلاغة
مادة لطيفة كانت تملأ الكون ، وأسماها بعضهم بالأثير ، وآخر بالسديم ، وثالث بحسب الغاز ( ولو قدرت على الامتناع لدام بقاؤها ) تماما كالإنسان أتى إلى الحياة الدنيا مرغما ، وخرج منها مكرها . ( لم يتكاءده صنع شيء إلخ ) . . الكون بكامله وجناح البعوضة بمنزلة سواء عند اللَّه ، يخلق هذا وذاك بكلمة « كن » فمن أين يأتي التعب واللغب ، والكلفة والمشقة ( ولم يكوّنها لتشديد سلطان إلخ ) . . لأنه غني بذاته عمن سواه ، وما خلاه مفتقر اليه افتقار الممكن للواجب ، والمخلوق للخالق ( ولا للاستعانة بها على ند مكاثر ) لأنه لا ند له ، والند هو المثيل ، والمكاثر المفاخر بكثرة المال والرجال ( ولا للاحتراز بها من ضد مثاور ) لأنه لا ضد له ، والضد هو الخصم والمخالف ، والمثاور المهاجم والمواثب ( ولا للازدياد بها في ملكه ) لأن ملكه تعالى تام ولا موجب إلى الزيادة ، وهو أمره للشيء كن فيكون ، أو لأنه تعالى مالك الملك ، وكل ما يقال له « ملك » فهو له وحده ، وعليه يستحيل تصور الزيادة في ملكه ( ولا لمكاثرة شريك في شركه ) لأنه لا شريك له ، والمراد بشركه هنا النصيب والملك ( ولا لوحشة كانت إلخ ) . . المستوحش يطلب الجليس والأنيس لحاجته اليه ، واللَّه غني بذاته عن كل شيء . وتقدم مثله في الخطبة 1 و 107 . ( ثم هو يفنيها بعد تكوينها إلخ ) . . ضمير التأنيث في تكوينها وفي الكلمات السابقة ، يعود إلى الدنيا . لقد خلق سبحانه الدنيا بقدرته ، وأتقن كل شيء بحكمته ، ودبره بلطفه ، لا لحاجة منه اليه ، بل إظهارا لعظمته وكماله ، أو لذلك ولأشياء أخر هو بها أدرى وأعلم ، ثم يفني الدنيا لا لسأم وملل ، بل لأن الهدف المقصود من وجودها قد حصل وتحقق ، ثم يعيد الخلق من جديد ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، والذين أساؤا بما عملوا . وتسأل : لقد أطال الإمام في نفي صفات المخلوق عنه تعالى ، كالإيحاش والاستيناس ، والتعب والراحة ، والفقر والجهل إلخ . . مع أن الأمر واضح لا يحتاج إلى تطويل وتفصيل ، ويكفي القول : الخالق لا يوصف بخلقه . . والعقل لا يدرك إلا المحدود والمخلوق . الجواب : لا يحق لأحد أن يفسر أي قول أو فعل بمعزل عن أوضاع القائل والفاعل ،