محمد جواد مغنية
55
في ظلال نهج البلاغة
لنفسه أنه ناقص ومحدود ، ومعنى هذا - عند ديكارت - أن في ذهنه فكرة سابقة عن الكامل المطلق القائم بذاته ، ولولا هذه الفكرة لاستحال عليه أن يتصور الناقص ، لأن الأشياء تتميز بأضدادها ، والفكرة عن الكامل لم تحدث جزافا وبلا سبب ، والانسان لم يوجدها في ذهنه ، وإذن فالذي أوجدها هو الكامل بذاته من كل وجه ، أي اللَّه الأزلي الأبدي العليم بكل شيء القادر على كل شيء . ( واحد لا بعدد ) . للوحدة أقسام ، منها الوحدة بالجنس والنوع ، ومنها الوحدة بالزمان والمكان ، واللَّه منزه عن ذلك كله ، فهو واحد بوجوده ذاتا في الأزل والأبد ، وواحد في كماله المطلق من كل وجه ، ليس كمثله شيء ، أما صفاته فهي بكاملها موجودة بوجود واحد ( ودائم لا بأمد ) . لا أمد ولا نهاية لوجوده ، ومن هنا يصح التعبير عنه باللامتناهي ( وقائم لا بعمد ) أي لا سبب لوجوده خارج عن ذاته . ( تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة ) . المراد بالمشاعرة هنا الإدراك المباشر ، والمعنى ان العقل يدرك وجود اللَّه بآثاره وتوسط مبدأ العليّة - مثلا - إذا رأيت إنسانا يكتب فإن عقلك يحكم بوجود الكاتب معتمدا في حكمه هذا على رؤية البصر وحدها بلا توسط مبدأ العلية أو غيره ، وتسمى هذه المعرفة بديهية ووجدانية وتجريبية ، وهذه المعرفة لا يمكن تصورها في حقه تعالى . أما إذا رأيت كتابة ولم تر الكاتب فإن عقلك يحكم بوجود الكاتب معتمدا على رؤية البصر للكتابة ، وعلى مبدأ العلية معا ، وليس على رؤية البصر وحدها كما لو رأيت الكاتب بالذات ، ومثله حكم العقل بوجوده تعالى ، ترى العين الخلق والآثار فيحكم العقل بوجود الخالق والمؤثر استنادا إلى مبدأ العلية . ومن أنكر وجود اللَّه لا يعترف بهذا المبدأ ، ويزعم أن تتابع الحوادث لا يدل على أن السابق علة للأحق . . وجوابنا أن العلماء كانوا وما زالوا يلاحظون الحوادث ، ويستنتجون من ذلك قواعد كلية ينتقلون من العلم بها إلى معرفة ما كانوا يجهلون ، ولولا مبدأ العلية لكان هذا الاستنتاج جهلا وضلالا . ( وتشهد له المرائي لا بمحاضرة ) . المراد بالمرائي الأشياء المرئية ، وبالمحاضرة الحضور والحلول ، والمعنى ان ما نراه من الكائنات يدل على وجود اللَّه ، ولكن