محمد جواد مغنية

521

في ظلال نهج البلاغة

بإيجاز إلى تعريف الصداقة وسببها ، ويمكن تلخيصها بالمودة والوفاء والثقة ، أما سببها فالمطابقة والانسجام . قال الرسول الأعظم ( ص ) : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف » . ومتع الحياة لا يبلغها الإحصاء ، وتفوقها جميعا متعة الصداقة ، وتبلغ الغاية القصوى حين يفضي الصديق إلى صديقه بأسراره وهمومه حيث يشعر من أعماقه انه ينفض عن كاهله أثقاله وأغلاله . وأقوى شيء في الدلالة على الوفاء والثقة أن تدافع عن أخيك ، وتبرئه من شائعة السوء بمجرد سماعها ، وقبل البحث وقيام البينة . وبعد تجربة عشرات السنين أستطيع القول : إن الصداقة بمعنى الحقيقة لهذه الكلمة لا تكون ولن تكون إلا إذا وجد في كل واحد من الاثنين صفة أو صفات يقدرها الآخر أيا كان نوعها ، فالشرط أن يكون للصفة وزنها عند الصديق لا في ذاتها وواقعها . ويرجع هذا إلى قول الرسول ( ص ) : ما تعارف منها ائتلف . ( احمل نفسك من أخيك إلخ ) . . قد يظن بك الصديق التقصير في حق من حقوقه ، فيعاتبك بالصد والهجران . . وينبغي أن تتجاهل ذلك ، ولا تعامله بالمثل وإلا أنهيت الصداقة بنفسك ، ووضعت لها حدا بيدك . . حتى ولو كان هو البادىء ، ما دام التلافي ممكنا ، فإنك إن تجاهلت ، وبقيت على عادتك معه من اللطف والمداراة يذهب ما في النفس مع الأيام ، وتعود المياه إلى مجراها ( وعند جموده على البذل إلخ ) . . واسه بنفسك حتى ولو كان البخل من طبعه . ( وعند جرمه على العذر ) تغاض عن هفوته واحتملها منه . . وإن طلبت صديقا لا تعاتبه عشت بلا صديق مدى الحياة « أي الرجال المهذب » وهل من العدل والإنصاف أن تطلب العصمة من خطأ لا تبرىء نفسك من مثله ( حتى كأنك له عبد ) هذا كناية عن حسن المعاملة والتسامح مع الاخوان ، لأن الصداقة اخوة لا عبودية ، ووفاء لا إلجاء ( وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه ) تسامح وتواضع مع الذين يقدسون النبل والخلق الكريم ، لا مع من يرى التواضع منك ضعفا وافتقارا . قال أعرابي لصديق له : كن لي ببعضك حتى أكون بكلي لك . ( ولا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك ) . والجمع بينهما تماما