محمد جواد مغنية
494
في ظلال نهج البلاغة
نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهّم وتعلَّم ، لا بتورّط الشّبهات وعلوّ الخصومات . وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرّغبة إليه في توفيقك وترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة ، أو أسلمتك إلى ضلالة . فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع ، وتمّ رأيك فاجتمع ، وكان همّك في ذلك همّا واحدا فانظر فيما فسّرت لك . وإن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك ، وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنّك إنّما تخبط العشواء ، وتتورّط الظَّلماء . وليس طالب الدّين من خبط أو خلط ، والإمساك عن ذلك أمثل . فتفهّم يا بنيّ وصيّتي ، واعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة ، وأنّ الخالق هو المميت ، وأنّ المفني هو المعيد ، وأنّ المبتلي هو المعافي ، وأنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلَّا على ما جعلها اللَّه عليه من النّعماء ، والابتلاء ، والجزاء في المعاد أو ما شاء ممّا لا نعلم ، فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك به فإنّك أوّل ما خلقت خلقت جاهلا ثمّ علمت . وما أكثر ما تجهل من الأمر ويتحيّر فيه رأيك ويضلّ فيه بصرك ، ثمّ تبصره بعد ذلك . فاعتصم بالَّذي خلقك ورزقك وسوّاك ، وليكن له تعبّدك وإليه رغبتك ومنه شفقتك . واعلم يا بنيّ أنّ أحدا لم ينبئ