محمد جواد مغنية
32
في ظلال نهج البلاغة
في صدره حتى تخرج ، فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن ( فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ) . إذا كان الإسلام غريبا بين القوم الفاسقين فالمؤمن أيضا يكون غريبا بينهم ، كما هو الشأن في عصرنا حيث يسخر أكثر أبنائه من المحافظين على دين الآباء والأجداد . ( وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه ) أي ان المسلم المخلص يكون بين القوم الفاسقين كالبعير الذي ألصق نحره في الأرض ، وضربها بذنبه ولا يستطيع التصرف في شيء سوى ذلك ( بقية من بقايا حجته ، خليفة من خلائف أنبيائه ) . الضمير في حجته وأنبيائه للَّه تعالى ، والمعنى ان ذاك المسلم المغترب هو بقية الذين يحتج بهم سبحانه على خلقه ، وامتداد لأنبياء اللَّه ورسله . الدين تسلية ورفاهية : ( أيها الناس قد بثثت لكم المواعظ إلخ ) . . وعظ الإمام أصحابه بمواعظ اللَّه وأنبيائه بأسلوب العليم الحكيم ، ووعظهم وبالغ في النصيحة لا لمنفعة شخصية ، ولا حبا بالكلام ، أو إظهارا للمقدرة ، أو لأن الوعظ مجرد وظيفة كخطبة الجمعة في المسجد ، أو خطبة الأحد في الكنيسة ، بل لشعوره بأنه مسؤول عنهم أمام ربه وضميره . . ومع هذا صموا الآذان ، ونفضوا الأيدي ، وهم على يقين من نصح الواعظ ، وثقة بعلمه ودينه . ولا عجب فقد وعظ نوح قومه فقالوا له : لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجوحين ، وأيضا وعظ إبراهيم قومه فقالوا : حرّقوه . وحاول بنو إسرائيل صلب السّيد المسيح ، وحاولت قريش قتل محمد ( ص ) . والذين قتلهم قومهم من الأنبياء لا يعلم عدتهم إلَّا اللَّه . . والذنب الوحيد هو الوعظ والإرشاد . وآمن النصارى بعيسى ، وقالوا : دينهم هو دين الانسانية والمحبة ، ثم ظهرت هذه المحبة من قبل في جرائم محاكم التفتيش ، وفي المذابح الصليبية ، وظهرت من بعد في هيروشيما وكور يا وإفريقيا والهند الصينية . واليهود آمنوا بموسى وانه بعث لمحاربة البغي في شخص فرعون الذي كان يستعبد رجالهم ونساءهم ، ويذبح أطفالهم . . وتمثل ايمان اليهود برسالة موسى في فظائع إسرائيل بفلسطين . . وأيضا آمن المسلمون بمحمّد ( ص ) وانه الخاتم لما سبق ، والفاتح لما استقبل ، وان الإسلام