محمد جواد مغنية

317

في ظلال نهج البلاغة

أم أخوك قال عقيل : أنت خير لي في دنياي ، وأخي لي في ديني . . هذه بعض أمثلة لموقف علي من رجاله وأنصاره . . وقد تحوّل كثير منهم إلى جبهة معاوية بفعل هذه السياسة . الإمام والوافدون على معاوية : كان الإمام ( ع ) يعلم أن أصحابه من أهل الدنيا لن يستطيعوا معه صبرا ، وانهم تاركوه إلى معاوية . . ولعل هذا من جملة الأسباب التي دعت الإمام أن يحقر الدنيا ويطنب في بيان مساويها ، ويحذر الراغبين فيها من سوء المنقلب وكآبته . . ومهما كان فإن الإمام لم يستكره أحدا على البقاء معه ، أو يرضيه ويحابيه على حساب دينه وحساب المسلمين . . وكان يتوجه إلى العقول والقلوب ، ويخاطبها بمنطق الدين والضمير ، ويبالغ في الوعظ والنصيحة ، وينذر ويحذر من عذاب اللَّه وغضبه ، كما رأينا في خطبه ، ثم يدع الناس وما يختارونه لأنفسهم ، وهذه هي طريقة الرسول العظيم ( ص ) والقرآن الكريم : * ( « قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) * - 105 الأنعام » . وعلى هذا الطريق سار الإمام مع أهله وجيشه وأنصاره ، لا يمارس ضغطا ، ولا يرشي ضميرا ، ولا يتنازل عن حق أيا كانت الظروف والنتائج . . قيل له : إن جماعة من أصحابه أو رعيته لحقوا بمعاوية ، فما زاد على قوله : « واللَّه لم ينفروا من جور ، ولم يلحقوا بعدل » . هذا هو الإمام لا يبتغي من دنياه شيئا ، ولا يقيم علاقة مع قريب أو بعيد إلا على أساس العدل والحق . . ولو أن أهل الأرض كانوا في جانب ، والحق في جانب ، لكان وحده مع الحق غير خائف ولا مستوحش ، وبهذا سطَّر الإمام صفحات جليلة في تاريخ الاسلام والمسلمين ، وصدق من قال : « لو لم يسر علي سيرته المثالية أكانت تبقى تلك الجذوة مشتعلة وكامنة في النفوس إن عليا لعب دوره الجليل كأعظم ما يلعب الانسان الفائق دوره في التاريخ » . ( واعجب من ذلك طارق ) وهو الأشعث بن قيس رأس المنافقين في أصحاب الإمام تماما كعبد اللَّه بن أبي بن سلول في أصحاب النبي ( ص ) . ( طرقنا بملفوفة )