محمد جواد مغنية
307
في ظلال نهج البلاغة
اللَّه يمهل ولا يهمل : تلا الإمام ( ع ) قوله تعالى : * ( « يا أَيُّهَا الإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » ) * وقال : ( أدحض مسؤول - إلى - نفسه ) . أبدا لا حجة ولا عذر لك أيها المتجرئ على معصية اللَّه ، وما أنت إلا جاهل مغرور . . وقال قائل : إن الذي أغراه بالمعصية قوله سبحانه : * ( « ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ » ) * حيث ألهمه الجواب وعلَّمه أن يقول غدا إذا سئل عن ذنبه : غرني حلمك وكرمك . وهذا خطأ ، لأن اللَّه سبحانه لا ينهى عن المعصية ، ثم يغري بها . أما الإمام فإنه يفسر الكلام في الآية بالحلم والإمهال ، وانه تعالى يمهل ولا يهمل أي لا يعجل العقوبة ، وإلا ما ترك على ظهرها من دابة . . انه يمد للعاصي ، وينعم عليه ، عسى أن يئوب إلى رشده ، ويرجع عن غيّه ، وعليه يكون معنى الآية : لا تغتر أيها الانسان بحلم اللَّه وسكوته عنك ، فإن هذا تأنيب لك واختبار . وأجلّ ما قرأت في هذا الباب مناجاة للإمام زين العابدين ( ع ) قال فيها من جملة ما قال : « سبحانك ما أعجب ما أشهد به على نفسي ، وأعدده من مكتوم أمري ، وأعجب من ذلك أناتك عني ، وإبطاؤك عن معالجتي ، وليس ذلك من كرمي عليك ، بل تأنيبا منك لي ، وتفضلا منك عليّ ، لأن أرتدع عن معصيتك المسخطة ، وأقلع عن سيئاتي المخلفة ، لأن عفوك عني أحب إليك من عقوبتي » . ( يا أيها الانسان ما جرأك - إلى - هلكة نفسك ) . الإمام يشعر بآلام الناس ، ويتوجع لها ولهم ، حتى عذابهم في الآخرة يشفق عليهم منه ، بل توجعه لهم من أجل هذا أشد وأعظم ، لأنه أقسى وآلم . . ومن أجل هذا خاطب من من يستهين بمعصية اللَّه ، خاطبه بلسان الشفيق الناصح ، ونهاه بأسلوب السؤال والاستفهام : كيف أعرض عن خالقه ، وصرف وجهه عن دعوته ، وطلب النوال من غيره . وما الذي جرأه على هذا الضلال والاستسلام للتهلكة . ( أما لدائك بلول إلخ ) . . إلى متى هذا التمادي في الغي ألا تفيق من نشوتك ( أما ترحم نفسك - إلى - أعز الأنفس عليك ) . عجبا منك . ترى غريقا فتسعفه ، أو متألما من لفحة الهجير فتظلله ، ثم لا تقي نفسك من عذاب الحريق ، وأنت تملك القدرة على خلاصها وسلامتها ما شأنك هل