محمد جواد مغنية
308
في ظلال نهج البلاغة
ران على بصرك وبصيرتك ، أم أنت في غنى عن نفسك ولو كنت على شيء من الوعي لبكيت عليها دما ( وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة ) ومن الذي يعصمك من اللَّه إن أراد بك سوءا وهل أخذت منه عهدا وأمانا : * ( « وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) * - 4 الأعراف » . ( وقد تورطت بمعاصيه إلخ ) . . أي تصديت لغضب اللَّه وعذابه ، فادفعه عنك إن كنت ذا قوة وطول . ( فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة إلخ ) . . المراد بالفترة هنا الفتور وعدم العزم والنشاط بقرينة قوله « بعزيمة » والمعنى كن يقظا ونشيطا ، ولا تكسل في طاعة اللَّه ، وتستوحش من ذكره ( وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك ) . أنت تعرض عن اللَّه لاهيا بملذاتك وشهواتك ، وهو يقبل عليك بفضله وإحسانه . . تصور حالك ووضعك هذا بينك وبين نفسك عسى أن تكف وتهتدي ( يدعوك إلى عفوه ) أي إلى التوبة وطلب العفو ، لأن عفوه تعالى عن ذنبك أحب اليه من عذابك : * ( « ما يَفْعَلُ ا للهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ) * - 147 النساء » . ( ويتغمدك بفضله ، وأنت متول عنه إلى غيره ) . أهذا جزاء من غمرك بالإحسان : تأكل رزقه ، وتعبد غيره . فأين الوفاء والحياء ( فتعالى - اللَّه - من قوي ما أكرمه ) . نقصّر في طاعته عمدا ، وننتهك حرماته قصدا ، ومع هذا يحلم ولا يعاجل . . سبحان ربنا إنّا كنا ظالمين ( وتواضعت من ضعيف - إلى - يصرفها عنك ) الخطاب للإنسان ، وتواضعت : من الضعة والحقارة ، والمعنى من أنت أيها الجاهل الوضيع حتى تجرأ على اللَّه ، وتخالفه في أمره ونهيه فكم من نعمة أسداها إليك ، وخزي ستره عليك ، ومكروه دفعه عنك ، كل هذا ، وأنت متماد في الغي والضلال ( فما ظنك به لو أطعته ) وطلبت منه الرضوان والأمان ، فإنه يعطيك ما أملت ، ويزيدك من فضله . . انه واسع رحيم . ( لو أن هذه الصفة ) وهي الإساءة للمحسن ( كانت في المتفقين إلخ . . قوة وقدرة ، لكن أول حاكم على نفسك بذميم الأخلاق ، ومساوىء الأعمال ) لأنك أسأت لمن أحسن إليك ، فكيف والذي أحسن إليك خالقك وخالق الكائنات . وقيل : ان القدرة أشد وأعظم من القوة ، ولذا جاء في القرآن الكريم : ان اللَّه على كل شيء قدير . وليس فيه على كل شيء قوي . وفيه ان اللَّه قوي عزيز .