محمد جواد مغنية

300

في ظلال نهج البلاغة

جعل الذكر - إلى - المعاندة ) . قيل المراد بالذكر هنا القرآن ، لقوله تعالى مشيرا اليه : * ( « وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناه ُ ) * - 51 الأنبياء » . وهذا بعيد عن سياق الكلام الظاهر في كل ذكر يكون جلاء للقلوب ، ويقظة للأسماع والابصار . . وليس من شك ان أفضل الذكر النضال في سبيل الحق ، وجهاد المعتدين عليه ، وليس هذا راجحا فحسب ، بل هو فرض لا يغني عنه صوم ولا صلاة ولا حج وزكاة . ( وما برح للَّه - إلى - الأفئدة ) . قوله : « عزت آلاؤه » أي عظمت وكرمت نعمه ، وقوله : « في أزمان الفترات » أي الأزمنة الخالية من وجود الأنبياء ، والمعنى ان الأرض قد تخلو من رسول ونبي حينا من الدهر ، ولكنها لا تخلو إطلاقا من العارفين باللَّه العاملين بخير ، وهم الذين رأوا بحواسهم اليقظة ، وأدركوا بعقولهم النيرة ان هذا الكون هو من صنع اللَّه سبحانه ، واستوحوا منه حكمته وعظمته ، فخافوه واتقوا بطشه وغضبه . وأسند الإمام هذا الإدراك المصيب إلى اللَّه ، لأنه مستوحى من الكون ، وهو من خلق اللَّه وآثاره ، واليه وحده تنتهي سلسلة الأسباب مهما تعددت وتنوعت . . حتى الصورة التي يستوحيها الشاعر والرسام من أشياء الطبيعة وجمالها هي وحي من اللَّه بالاعتبار الذي أشرنا اليه . ( يذكَّرون بأيام اللَّه إلخ ) . . أي بعذابه الذي صبه على من طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد ، والمعنى ان العارفين يذكَّرون ويهدون الخلق إلى طريق الحق ، والذكرى تنفع الضمائر الحية تماما كما تنفع علامات الطريق السليم في الصحارى والقفار ( من أخذ القصد حمدوا اليه طريقه إلخ ) . . من سلك طريق الهداية شجعوه وأثنوا عليه ، وبشروه برضوان اللَّه وثوابه ، ومن انحرف يمنة ويسرة ذموه ، وأنذروه بعذاب يخزيه ويرديه ( وكانوا كذلك إلخ ) . . أئمة يهدون إلى الحق ، وبه يعملون ، والمراد بالظلمات والشبهات الشرك وعبادة الأصنام ونحوها من التقاليد التي سادت في عصر المتقين القلائل . ( وان للذكر لأهلا ) وهم الذين وصفهم الإمام بيقظة الحواس والأفئدة ، وبالأدلة في الفلوات ( أخذوه من الدنيا بدلا إلخ ) . . أدركوا ان الدنيا إلى زوال ، وان الآخرة خير لمن قدّمت يداه من الخير ، فسعوا له سعيه ، لا تلهيهم عنه تجارة ولا بيع ، أو قيل وقال ( يقطعون به أيام الحياة ) لا يقتلون الوقت باللغو