محمد جواد مغنية
301
في ظلال نهج البلاغة
والأباطيل ، لأن الأيام تأخذ من الانسان أثمن ما يملك ، فعليه أن يأخذ منها أغلى الأثمان وأعلاها . قال الإمام : ليس لأنفسكم ثمن إلا بالجنة ، فلا تبيعوها إلا بها . وقال : لبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا ، ومما لك عند اللَّه عوضا . ( ويهتفون بالزواجر - إلى - يتناهون ) . يأمرون بالمعروف ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ، ويتناهون عنه ، كما هو شأن المؤمنين حقا لا شأن من يتاجر بالدين ( فكأنما قطعوا الدنيا إلى الآخرة ، وهم فيها إلخ ) . . هم في الدنيا بأجسامهم ، وفي الآخرة بأرواحهم وأهدافهم ، نظروا إلى هذه على أنها دار البقاء والخلود ، فأسسوا لها وبنوا ، ونظروا إلى تلك نظرة المسافر العابر ، فتركوها لمن شاءها وأرادها لا ينافسونه في شيء من حطامها ( فكأنما اطَّلعوا غيوب - إلى - عداتها ) . البرزخ عالم ما بين الموت ويوم القيامة ، والمعنى ان العارفين باللَّه ينظرون بعين اليقين والإيمان إلى عالم البرزخ ، فيرون كل ما وعد اللَّه به من ثواب الأخيار ، وعذاب الأشرار ، ومن أصدق من اللَّه حديثا . ( فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا ) . أخبروهم بما يحدث لهم بعد الموت لعلهم يتقون ( حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون ) يتحدث العارفون باللَّه عن عالم البرزخ كأنهم فيه بجميع حواسهم وشعورهم بصرا وسمعا وعقلا وقلبا ، أما أهل الدنيا فهم مع الآخرة بالسمع لا بالعيان ولا بشيء من الشعور والاتعاظ . . وقال ابن أبي الحديد : كأن الإمام يشرح هنا ما قاله في مكان آخر : « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » . حاسب نفسك . . فقرة 3 : فلو مثّلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ، ومجالسهم المشهودة وقد نشروا دواوين أعمالهم ، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم عن كلّ صغيرة وكبيرة أمروا بها فقصّروا عنها ، أو نهوا عنها ففرّطوا فيها ، وحمّلوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها فنشجوا نشيجا