محمد جواد مغنية
296
في ظلال نهج البلاغة
العلاج - جاء على العكس . . فالبارد يرفع من حرارته ، والحار يزيد في برودته وهل لداء الموت طب أو علاج . ( ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمدّ منها كل ذات داء ) . كلما بذلت الجهود والعناية في اتقان الدواء وتركيبه ، وعولج به هذا المريض المترف لكي يعتدل مزاجه - تراكمت أسقامه ، واحتدمت آلامه ، تماما كمن يلقي في النار ما يزيدها اشتعالا ( حتى فتر معلله ) يأسا من شفائه ( وذهب ممرضه ) عنه وعن أوجاعه ( وتعايا أهله إلخ ) . . وحاروا في جواب السائلين عن عليلهم ما ذا يقولون ( وتنازعوا دونه شجيّ خبر يكتمونه ) . واو الجماعة يعود إلى أهل المريض ، وشجي خبر أي خبر مؤلم عن ذي حزن وألم ، وهو المريض ، والمعنى ان أهل المريض تناجوا في شأنه ، وحاولوا جهدهم أن يخفوا عنه ما يتشاورون فيه من أمره حرصا منهم على راحته . ( فقائل يقول : هو لما به ) أي مأيوس منه ، أو مجهول المصير ( وممنّ لهم ) أي جعلهم يتمنون ويأملون ( إياب عافيته ) ورجوع صحته إلى سابق عهدها ( ومصبّر لهم على فقده ) ويقول ، إن هو إلا كأجداده وآبائه ، وكلنا على الأثر ( فبينا هو كذلك - إلى - لسانه ) . إنه ذاهب إلى غير رجعة ، ولكنه قبل الوداع الأخير فوجىء بغصة وحشرجة في أنفاسه ، قبضت لسانه ، وأطارت صوابه ( فكم من مهمّ من جوابه عرفه فعيّ عن رده ) يسأله السائل ، وهو في حاله تلك ، عن أشياء تهمه وتهم الوارث ، فيفهم السؤال ، ويعرف الجواب ، ولكنه يعجز عن النطق به . ( ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه ) . المراد بالدعاء النداء أي ان بعض أحبائه يناديه باسمه ، فيسمع النداء ، ومع هذا يتجاهل عجزا عن الجواب ( من كبير كان يعظمه ) كوالده الحنون ( أو صغير كان يرحمه ) كطفله وفلذة كبده ( وان للموت لغمرات للخ ) . . وسكرات يعجز الوصف عن استيعابها أو ان الوصف يحيط بحقيقة الموت وأهواله كما لو كان بعلم الإمام وبلاغته ، ولكن العقول لا تهضم ولا تصدق ، لأنه فوق ما تدرك وتتصور . وبعد ، فإن الإنسان يمتلك من الطاقات ما ارتفعت به إلى القمر كخطوة أولى إلى غيره من الكواكب . . ومع هذا يعجز العلماء مجتمعين أن يردوا الروح إلى