محمد جواد مغنية
289
في ظلال نهج البلاغة
السلف الدابر ( أي مدّكر ) ان هذه موعظة وذكرى للعالمين ( وتناوشوهم من مكان بعيد ) أي ذكروا الماضين بالعز والمجد ، وبين الفريقين أبعد ما بين الخافقين ( أفبمصارع آبائهم إلخ ) . . أتفخرون بالأجسام الفانية ، والعظام البالية ( ولأن يكونوا عبرا إلخ ) . . جدير بالعاقل أن يتعظ بالموتى لا أن يفخر بهم ( ولأن يهبطوا بهم إلخ ) . . وأيضا جدير به أن يذل ويخشع لا ان يتعالى ويشمخ . ( لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة إلخ ) . . نظروا إلى الموتى بعيون غير سليمة ، فخاضوا من ذكرهم في بحر من الجهالة ( ولو استنطقوا عنهم - إلى - أعقابهم جهالا ) . لو أن الأحياء سألوا المقابر عن أجدادهم وآبائهم - لأجابتهم بلسان الحال : انهم في الضلالة والهاوية ، وأنتم في الجهالة والغواية ، ولاحقون بهم إلى أسفل سافلين ( تطئون في هاماتهم ) . قال ابن أبي الحديد : أخذ هذا المعنى أبو العلاء المعري فقال : خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد ( وتستثبتون في أجسادهم ) . تستحيل أجسادهم إلى تراب ، فتغرسون فيها الأشجار ونحوها ( وترتعون فيما لفظوا ) تتقلبون في الذي تركوا من حطام الدنيا ومتاعها ( وتسكنون فيما خربوا ) أي فيما تركوا ، تقول : خربت الديار إذا باد أهلها ، لأنها بهم تحيا وتثمر ( وإنما الأيام بينكم إلخ ) . . بكت الأيام أو الديار على الآباء وناحت ، وعما قريب تبكي عليكم وتنوح ( أولئك سلف غايتكم ) المراد بالسلف من مضى وبالغاية الموت ، والمعنى هم السابقون إلى المقابر ، وأنتم اللاحقون . ( وفراط مناهلكم إلخ ) . . مضى من كان قبلكم من الأجيال ملوكا ومملوكين ، وكان لهم في العز دعائم ، وفي الفخر سباق ، وأنتم على آثارهم تهرعون ، فلما ذا تعمهون وقال الإمام مخاطبا أهل القبور : يا أهل الوحدة ، يا أهل الوحشة ، أنتم لنا فرط سابق ، ونحن لكم تبع لاحق ( سلكوا في بطون البرزخ ) القبور ( سبيلا سلَّطت الأرض عليهم إلخ ) . . فما أبقت لهم جلدا لا لحما ، ولا دما ولا عظما . . أبدا لا شيء في القبر على الإطلاق إلا الظلمات والآفات . . وأنباء القبر عند الإمام كثيرة وكثيرة ، ولا يمل من تكرارها ، وقد مرت هذه الصفات في الخطبة 109 و 195 « والحبل على الجرار » .