محمد جواد مغنية

269

في ظلال نهج البلاغة

( ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا إلخ ) . . للَّه على عباده حقوق هي له وحده لا صلة لها بغيره على الإطلاق ، منها الإيمان به وبكتبه وملائكته ورسله ، والتعبد له دون غيره : * ( « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ُ ) * - 23 الإسراء » . ومنها حقوق للناس ، ولكن لا على سبيل الانفراد والاستقلال ، بل على سبيل التكافؤ والتضامن بين الناس بعضهم مع بعض بحيث يكون أحد الواجبين بالنسبة للآخر كالجزء المتمم له ، أي يجبان معا ويسقطان معا ، ومن هذا النوع التعاون على البر والصالح العام الذي يتجاوز مساعدات الفرد بسد حاجة من حاجاته الخاصة ، فإن هذا عظيم عند اللَّه ، ما في ذلك ريب ، ولكنه عون من جانب واحد ، والتعاون مشاركة بين اثنين أو أكثر . وأيضا من هذا النوع الحقوق الزوجية التي أشار سبحانه إليها بقوله : * ( « وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) * - 228 البقرة » . وأيضا من هذا النوع قول الإمام : ( حق الوالي على الرعية ) وهو الولاء للسلطة المشروعية في شخص الوالي العادل لا الولاء لشخصه بالذات ، لأنه وكيل لا أصيل ( وحق الرعية على الوالي ) وهو تأمين حاجات الرعية وتحقيق أهدافها ، وهذه الحقوق الانسانية المتكافئة المتبادلة بين الراعي والرعية هي ( فريضة فرضها اللَّه ) ولأنه هو أصلها ومصدرها صح القول فيها : انها حقوق اللَّه وحقوق الناس في آن واحد . ( فجعلها نظاما لألفتهم وعزا لدينهم ) أي بهذا التضامن والترابط بين الحاكم والمحكوم تستقيم الأمور ، ويعيش الجميع اخوانا متحابين ، ومن أجل هذا جعله سبحانه دستور الحكم وأساسه . والانحراف عنه فساد وضلال يؤول بالمجتمع إلى الهلاك والوبال . ( فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ) . أبدا لا تصلح الأوضاع ، ويتم الاستقرار إلا إذا كان الوالي كفؤا للقيام بأعباء الحكم : ومخلصا يساوي نفسه وأهله بأضعف ضعيف من رعيته ( ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية ) وهذه الاستقامة معناها الولاء للسلطة القوية العادلة ، والتعاون معها على أساس مصلحة الجميع وتأمين حقوقهم .