محمد جواد مغنية
268
في ظلال نهج البلاغة
إلى أن اللَّه سبحانه شرّع أحكاما حدد فيها حق الراعي على الرعية ، وحقها عليه ، وذكر طرفا من ذلك في الخطبة 34 . ثم قال : ( فالحق أوسع الأشياء في التواصف ، وأضيقها في التناصف ) . الحق ميدان واسع للوصف والقول ، والناس يصولون فيه ويجولون خطابة وكتابة ومحاضرات ، ولكنهم يضيقون به صدرا إذا جاء دور التطبيق والعمل ( ولا يجري لأحد إلا جرى عليه إلخ ) . . هذه قسمة عادلة متوازنة : لك مثل الذي عليك ، وعليك مثل الذي لك ، وان كنت لا ترى حقا عليك لغيرك فعليك أن لا ترى حقا لك عليه ، وقديما قيل : أحبب لغيرك ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها . . هذا هو مبدأ العدل والانصاف ، وقانون الطبيعة أيضا ، ولا أحد فوق الطبيعة إلا خالق الطبيعة . . ومن هنا تفجر الصراع الرهيب بين الأقوياء الذين ينكرون التوازن العادل ويصرون على الامتياز الظالم ، وبين الضعفاء الذين يرفضون الاستبداد والعدوان على حقوقهم وحرياتهم ، أما تحديد الحق فهو وليد الروابط بين الناس ، ويختلف بحسبها . الثواب تفضل لا استحقاق : ( ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه ) . لا حق متبادل بين الخالق والمخلوق ، والواجب والممكن ، وهل يقاس النقص بالكمال ، والضعف بالاقتدار . إن الأمر كله للَّه ، وعلينا أن نسمع ونطيع ، وهو يثيبنا على الشكر والطاعة لا لشيء إلا لأنه تعالى كتب على نفسه الرحمة ، كما قال في الآية 12 من سورة الأنعام ، وكرر هذا القول في الآية 54 من السورة نفسها ، واذن فلا ثمرة وراء النزاع في أن ثواب المطيع للَّه تعالى هل هو لزوم واستحقاق لمبدإ العدالة الإلهية ، كما قال المعتزلة ، أو هو كرم وتفضل ، كما قال الأشاعرة ، والطاعة من العبد مجرد وفاء لأنعم اللَّه لا جدوى من هذا النزاع ما دام سبحانه قد كتب على نفسه أنه لا جزاء للإحسان إلا الإحسان . « وقول الإمام : ( جعل جزاءهم عليه إلخ ) . . يومئ إلى أن الثواب حتم بإرادة اللَّه لا بجعل جاعل سواه ، وعلى هذا يحمل قوله تعالى في الآية 173 من سورة النساء » : * ( « فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ » ) * أي التي كتبها هو على نفسه .