محمد جواد مغنية

128

في ظلال نهج البلاغة

بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا مناكبهم ذللا يهلون للَّه حوله . ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له . قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما وامتحانا شديدا واختبارا مبينا . وتمحيصا بليغا جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، داني الثّمار ، ملتفّ البنا ، متّصل القرى ، بين برّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ولو كان الإساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء ، وياقوتة حمراء ونور وضياء لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الرّيب من النّاس ، ولكنّ اللَّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره إخراجا للتّكبّر من قلوبهم ، وإسكانا للتّذلَّل في نفوسهم . وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه .