محمد جواد مغنية
122
في ظلال نهج البلاغة
سادة الأمم كفرعون موسى ونمرود إبراهيم ، وغيرهما من طغاة الأكاسرة والقياصرة ، أما الكثرة العاملة فكانت تصنع للكبار القصور والأهرامات ، وتبني الحصون والسدود ، وتحفر الترع والأنهار . . وقد أخذ سبحانه بصواعقه وعواصفه المستكبرين والتابعين لهم من المستضعفين ، أخذ أولئك بظلمهم ، وهؤلاء بنومهم على الضيم والظلم . . ويقول الإمام للمستضعفين : اتعظوا بمن سبق ، وكافحوا العدوان قبل أن ينزل عليكم العذاب بغتة ، ويعم الظالم والساكت عنه . ( واتعظوا بمثاوي خدودهم ، ومصارع جنوبهم ) . وفي بعض النسخ حدودهم ، وهو خطأ ، والمعنى اتعظوا بالقبور التي أكلت الخدود ، وأبلت الجنوب ( واستعيذوا باللَّه من لواقح الكبر ، كما تستعيذونه من طوارق الدهر ) . ما من عاقل إلا ويخشى المخبآت والمفاجات ، ولكن المتكبر لا يخشى ، بل لا يتصور إطلاقا عاقبة التعالي والكبرياء وإلا تواضع وتنازل عن شموخه ، وإذا سلم المتكبر من طوارق الدهر فهل يسلم من سكرات الموت وظلمة القبر . ( فلو رخّص اللَّه في الكبر لأحد لرخص فيه لخاصة أنبيائه إلخ ) . . بل نهاهم عنه ، وقال لخاتمهم وسيدهم : * ( « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * - 88 الحجر » . وفي الحديث : « من تواضع رفعه اللَّه ، ومن تكبر خفضه اللَّه » وقد امتحن سبحانه أنبياءه بأنواع من المكاره فصبروا ورضوا بما قضى وأحب . . وأوذي محمد ( ص ) في سبيل اللَّه أشد الإيذاء ، فما تظلَّم أو تبرم ، بل تطلع إلى خالقه ، وشكا اليه ضعفه وهوانه على الناس . . وخاف أن يكون قد غضب اللَّه عليه ، فلاذ به ، وقال : أعوذ بنور وجهك أن تنزل بي غضبك ، أو تحل عليّ سخطك . . لك العتبى حتى ترضى . . إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي . أما قول الإمام عن الأنبياء والأولياء : « فألصقوا بالأرض خدودهم إلخ » . . فهو كناية عن شدة خضوعهم وتواضعهم للَّه جل وعز . ( فلا تعتبروا الرضا والسخط بالمال إلخ ) . . لو كان رضاه تعالى يعتبر بالمال لكان أصحاب الملايين في « وول ستريت » وأرباب الشركات والاحتكارات ، في أعلى عليّين عند اللَّه ، وكان المعذبون في الأرض الذين لا عم لهم ولا خال - في الدرك الأسفل من النار . . حاشا للَّه . . ولكنه يختبر عباده بالمال والسلطان كما يختبرهم بالمخمصة والمجهدة ، لتظهر الأفعال التي يستحق بها الثواب والعقاب . .