محمد جواد مغنية
116
في ظلال نهج البلاغة
في قوله : « ولأغوينهم أجمعين » والمعنى لقد صدق ظن إبليس على أهل المعصية والكبرياء والجاهلية ، وتسرب إلى نفوسهم من طريق تعصبهم لأصلهم ، وسفههم وحبهم للتعاظم والشهرة الزائفة ( حتى إذا انقادت له الجامحة منكم إلخ ) . . المراد بالجامة النفوس التي لم يقرع الشيطان بابها بعد ، ولكنها على تمام الاستعداد لأن تفتح له ، وتنقاد اليه ، والمعنى ان نفوسكم طاهرة في الظاهر ، وخبيثة في الباطن ، ولما حركها الشيطان ظهرت على حقيقتها ، وتبين للجميع انكم من جند الشيطان وأنصاره . ( استفحل سلطانه عليكم - إلى - النار المعدة لكم ) . واو الجماعة في أقحموكم وما بعده من الأفعال هي لجنود إبليس ، والمعنى استحوذ عليكم الشيطان ، واحتل نفوسكم بجنوده فأوردها موارد الذل والهلكة في الدنيا ، وساقها في الآخرة إلى النار وغضب الجبار فأصبح أعظم في دينكم جرحا إلخ . . وفي بعض النسخ « حرجا » وهو خطأ ، والضمير المستتر في أصبح يعود للشيطان ، والمعنى ان وساوس الشيطان والأعيبه أشد ضررا عليكم دنيا ودينا من اخوانكم في الانسانية الذين تجاهرونهم بالعداء وتتألبون على حربهم ومنابذتهم . ( فاجعلوا عليه حدكم ، وله جدكم ) . الضمير في « عليه وله » للشيطان ، والمراد بالحد الغضب والحدة ، وبالجد - بكسر الجيم - الجهد والطاقة ، والمعنى حاربوا الشيطان بكل ما تملكون من طاقة وحول وقوة ( فلعمر اللَّه لقد فخر إلخ ) . . المراد بالأصل والنسب هنا آدم ، والمعنى ان إبليس ازدرى أباكم آدم ، ورماكم بنبال الهوى ، وداسكم بأقدام الشهوات ، وضربكم بسيوف المغريات حتى أذلكم ، وأوقعكم في البلاء والشدة ، ولم يبق لكم من باقية . وهذا تكرار وتوكيد لما تقدم من قوله : ( دلف بجنوده نحوكم إلخ ) . ( فأطفئوا ما كمن في قلوبكم - إلى - نزغاته ونفثاته ) . المسلم الحق هو الانسان المتفتح الذي يحب ويسع الناس جميعا ، أما الذي يتعصب لعرق أو لون أو فئة - فما هو بمسلم ، بل هو من أتباع الشيطان ، وعلى سنة الجاهلية وأهلها ، وسيتكلم الإمام عن العصبية مطولا في هذه الخطبة ، فإلى هناك ( واعتمدوا وضع التذلل - إلى - جنوده ) . دعوا الترفع والتكبر ، فإنه ينم على صاحبه بالصغار ، وتواضعوا للحق ، وانقادوا له ، واسمعوا منه ، فإنه الدرع الواقي من إبليس وجنوده .