محمد جواد مغنية
111
في ظلال نهج البلاغة
خلق آدم « من نور يخطف الأبصار . . وطيب يأخذ الأنفاس » ثم أمرهم بالسجود فامتثلوا وسجدوا - لو كان الأمر كذلك لم يكن للملائكة من فضل ، لأنه لا يتعارض مع الأنانية وحب الذات . ويأتي في هذه الخطبة ان اللَّه سبحانه اختبر عباده بأحجار لا تبصر ولا تسمع ، وانه لهذه الغاية جعلها بأوعر بقاع الأرض . الفرق بين الشيطان وإبليس : ( فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس إلخ ) . . في القرآن الكريم كلمات يستوي في معرفتها العالم والجاهل مثل الأعين والآذان ، وكلمات يعرفها أهل اللغة مثل كلمة الطلح - الموز - وكلمة شطأ الزرع أي ما يتفرع عنه من أغصان وثمر ، وفيه كلمات يجب الرجوع في فهمها والمراد منها إلى القرآن نفسه ، أو إلى النص من المعصوم ، ومن هذا النوع كلمتا إبليس والشيطان حيث لا نعرف كائنا يقال له : إبليس أو شيطان . وقد رأينا الذكر الحكيم يطلق كلمة الشيطان على الشيطان الإنسي ، والشيطان الجني ، وعلى الوسوسة والخواطر السوداء . قال تعالى : * ( « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي ) * - 112 الأنعام » . وقال تعالى فيما يعود إلى الوسوسة ونحوها : * ( « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا ) * - 201 الأعراف » . وأوضح من هذه الآية قوله تعالى حكاية لقول يوسف : * ( « وَرَفَعَ أَبَوَيْه ِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَه ُ سُجَّداً ) * - 100 يوسف » . وما نزع بين يوسف وبين اخوته إلا عداوة الحسد . أما إبليس فهو كائن حسي يدرك ويعقل ، ويفعل ويترك بإرادته واختياره ، ولذا خاطبه سبحانه وقال له : * ( « ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ) * - 12 الأعراف » . وطرده ولعنه ، واحتج هو بأصله ، وهدد وتوعد بكيده وضلالته ، وقد أجابه ، جلَّت كلمته : * ( « لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) * - 85 ص » . وإذن فتأويل كلمة إبليس بغير الحسي - جهل وتضليل ، أما كلمة الشيطان فيصح تأويلها بما يوسوس ويزين حسيا كان أو معنويا . ( إذ أحبط عمله الطويل - إلى - ساعة واحدة ) . هذا شاهد آخر على أن إبليس كائن حسي لا معنوي ، وانه عبد اللَّه دهرا طويلا ، ثم ارتد ونكص