محمد جواد مغنية

108

في ظلال نهج البلاغة

صغّره اللَّه بتكبّره ، ووضعه بترفّعه . فجعله في الدّنيا مدحورا ، وأعدّ له في الآخرة سعيرا . ولو أراد اللَّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل . ولو فعل لظلَّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة . ولكنّ اللَّه سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم . فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس إذ أحبط عمله الطَّويل وجهده الجهيد ، وكان قد عبد اللَّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سني الدّنيا أم سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة . فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته كلَّا ، ما كان اللَّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا . إنّ حكمه في أهل السّماء وأهل الأرض لواحد . وما بين اللَّه وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرّمه على العالمين . اللغة : الحرم - بفتح الحاء والراء - ما يحميه الانسان ويدافع عنه . والحمية : الأنفة . والجبرية : العلو والعظمة . والرواء : حسن المنظر . والعرف - بفتح العين - الرائحة . والهوادة : الرخصة واللين .