السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
95
قراءات فقهية معاصرة
والمتحصّل من مجموع ما تقدّم أنّ القول بأنّ القصاص حقّ واحد لمجموع الورثة وأنّه لا يستقلّ به كلّ واحد منهم لم يكن موقفاً فقهيّاً واحداً وواضحاً عند العامّة لا على مستوى فتاوى فقهائهم ومذاهبهم ولا على مستوى رواياتهم وأحاديثهم ، ولم يكن عليه عمل من الصحابة واضح أيضاً ، بل الأمر بالعكس بمعنى أنّ القول باستقلالية حقّ القصاص لمن يريده من الأولياء مطلقاً أو في الجملة هو المشهور في المذاهب الرائجة في عصر الإمام الصادق عليه السلام وفي المدينة بالخصوص ، فكيف يمكن أن تحمل كلّ تلك الروايات العديدة الصحيحة الصادرة من أئمّة متعدّدين على أنّها صادرة تقيّة للعامّة خصوصاً في مسألة ليست سياسية ولا منشأ فيها للتقيّة ، بل لعلّ موقف بعض المذاهب العامّة متأثّر برواياتنا خصوصاً ما صدر منها عن الإمام عليّ عليه السلام كما في معتبرتي أبي مريم وإسحاق بن عمّار المتقدّمتين ، ولعلّ ابن عبّاس وابن مسعود الذي اسند إليهما هذا الحكم في عصر عمر بن الخطّاب قد أخذاه وتعلّماه من الإمام عليّ عليه السلام وأنّه لولاه كان يحكم عمر بالقصاص في ذلك المورد . فالحاصل : أصالة هذا الموقف في رواياتنا الصادرة عن أئمّتنا المعصومين عليهم السلام بنحو آكد وأوضح ممّا كان عند العامّة أمر بيّن ، فلما ذا تحمل كلّ هذه الروايات على التقيّة ؟ ! فإنّه إن كان من جهة أنّ موقف العامّة كان ذلك - فيستظهر لمجرّد ذلك الجزم بصدورها تقيّة - فقد عرفت أنّ هذا الموقف لم يكن واضحاً عندهم في ذلك العصر لا على مستوى الفتاوى ولا الأحاديث ولا عمل الصحابة ، وإن كان من جهة التعارض مع صحيح أبي ولّاد الأولى والترجيح بمخالفة العامّة فقد اتّضح أنّ هذا المرجّح إلى جانب هذه الروايات لا صحيح أبي ولّاد ؛ لأنّه الموافق والمتطابق مع المذهب العامّي الذي كان رائجاً في المدينة في عصر صدور هذا الحديث . ولعمري هذه المسألة من الغرائب ، ولا أدري كيف اتّفقت فتاوى فقهائنا على عدم السقوط