رحمان ستايش ومحمد كاظم
178
رسائل في ولاية الفقيه
تسليم ابن زهرة إيّاه لا ينافي تحقّقه عند غيره . وما ذكره من فائدة الرجوع إلى المفتي من حصول السبيل بفتياه ، وفتيا غيره إلى العلم بإجماع الإماميّة . ففيه : أنّ هذا فرع وجوب الرجوع في كلّ واقعة واقعة نزلت على العامي إلى جمع كثير وجمّ غفير من علماء الإماميّة ؛ فإنّ باتّفاق اثنين أو ثلاثة لا يحصل العلم بالإجماع ، مع أنّ مجمع عليه عدم وجوب الرجوع في الوقائع إلى أزيد من فقيه واحد ، مضافا إلى أنّ فقهاءنا المتقدّمين كانوا قليلين ، فكان تحصيل العلم باتّفاقهم سهلا . وأمّا في هذه الأزمان فالفقهاء كثيرون ، وفي البلاد منتشرون ، فتحصيل العلم باتفاقهم صعب جدّا ، لا يكاد يحصل العلم به ، إلّا لمن بذل جهده في استعلام أقوالهم في أزمنة طويلة ، وصرف عمره في هذا المرام ، في مدّة مديدة ، وتكليف كافّة العوام بذلك إيقاعهم في عسر وحرج ، مضافا إلى أنّ هذه الأزمان قد كثرت فيها الأقوال في المسائل ، وتراكمت فيها الأفكار ، وتزاحمت فيها الآراء والأنظار ، فربما بلغ القول في مسألة إلى خمسة وعشرين أو أزيد ، أو ما يقرب من ذلك ، وقلّت فيها المسائل الإجماعيّات ولو باعتبار عصر واحد ، فربما لا يحصل العلم بالإجماع للماهرين في الفقه ، من أوّل أبوابه إلى آخره ، إلّا في معدودة من المسائل ، فكيف تكون فائدة ما أجمع عليه من رجوع المستفتي إلى المفتي ؟ بل حصول العلم له بالإجماع . وأما الاستدلال في المنع عن التقليد بالإجماع على أنّه لا يجوز العمل إلّا بعلم ، وبتجويز الخطأ على فتوى المفتي ، ففيه : أنّ وجوب العمل بالعلم فرع إمكان تحصيله ، وانفتاح بابه ، ففي أزمنة انسدّ فيها باب العلم في أغلب الأحكام تكليف العمل فيها بالعلم تكليف بالمحال . وأمّا العلم بالحجّيّة وجواز العمل - وإن كان خطأ في الواقع - فهو حاصل في الفتاوى بما ذكرنا من الأدلّة ، حتّى الإجماع ، نظرا إلى مضيّ زمان المخالف وصيرورة المسألة إجماعيّة ، مع أنّ تجويز الخطأ كأنّه جار في اعتقاده الحاصل بالاستدلال .