رحمان ستايش ومحمد كاظم

16

رسائل في ولاية الفقيه

وبين السليم والسقيم بيد أنّ لها دور مؤثّر في معرفتهما ، وتحديد أغلب معالمهما . وهذا الأمر يعتبر بمثابة قانون صارم لا استثناء فيه في باب تكامل الأفكار أينما وجدت ، ويسري على الأفكار البشرية ، حتّى وإن كانت نابعة من الأديان السماوية ومستقاة منها . ويمكن القول بعبارة أخرى أنّ صرح العلم الشاهق لم يبن دفعة واحدة ، وإنّما وضعت لبناته الواحدة تلو الأخرى تدريجيا على مرّ الزمان إلى أن بلغ هذه الغاية وما زالت لبناته تتدفّق تترى . فلو أنّنا نظرنا إلى أيّة مسألة علمية أو إلى أيّ علم من العلوم المتداولة في زماننا ، وبحثنا أوّلياته ، لوجدناه أنّه كانت له في بداية الأمر صورة بسيطة ومحدودة ، ثم ازدادت أصوله وفروعه شيئا فشيئا عبر الزمن ، وبحثت كلّ زواياه وخفاياه المختلفة حتّى خلصت إلى هذه الصورة المتعارفة في زماننا . فهناك بون شاسع بين كيمياء الأمس وعلم الكيمياء الحديث ، وبين حساب الأمس والرياضيات المعاصرة ، وبين الفقه الروائي للسلف وفقه المعاصرين من أمثال الفقه الجواهري . وهناك فارق واسع بين حجم هذه العلوم ودائرة مسائلها المتفرّعة . والحديث الشريف : « ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » « 1 » يشير إلى جانب من هذا القانون ، والنظر إلى تاريخ العلوم ومراحل تطوّرها يبرهن صحّة هذه الحقيقة ، ويدلّ على شفافيّتها . ومثلما تنطبق هذه القاعدة على العلوم ، فهي تصدق على مسائلها أيضا . ومن الواضح أنّ هذا المنهج التكاملي لا يعاب عليه الماضون ، ولا يلام عليه المتأخّرون ، فالماضون تلقّوا المسائل حسبما وسعه علمهم ، واستفاد المتأخّرون من تجاربهم وأضافوها إلى خبراتهم ، فساروا بالعلوم نحو التقدّم والرقي . ومن الأفكار التي تخضع لهذا القانون فكرة « ولاية الفقيه » التي تعتبر جوهر الفكر السياسي الشيعي ، وتمتلك رؤيتها الخاصّة للحكومة الدينية على الأرض . فقد طوت هذه الفكرة مراحل عديدة إلى أن غدت اليوم موضع اهتمام المفكّرين

--> ( 1 ) . أصول الكافي 1 : 403 ح 1 .