محمد جواد مغنية

8

في ظلال نهج البلاغة

كان مسؤولا عن نفسه ، واللَّه سبحانه أمر بالعمل وبيّن الطريق الواضح اليه في العديد من آيات كتابه ، وعلى لسان رسله ، ومن ذلك قوله : « فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل اللَّه - 11 الجمعة » . . وعن الإمام الصادق ( ع ) : أرأيت لو أن رجلا دخل بيته ، وأغلق عليه بابه أكان يسقط عليه شيء من السماء ( الأول الذي لم يكن له قبل ، فيكون شيء قبله ، والآخر الذي ليس له بعد ، فيكون شيء بعده ) . أي هو أول بلا ابتداء ، وآخر بلا انتهاء ، واليه تنتهي جميع الأسباب الممكنة ، والغايات الجزئية ، وإلا بقي كل شيء في طي العدم ( والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه ) . والردع هنا كناية عن أن الذات القدسية لا تدرك بحال ، وان العقول تعلم بوجوده عن طريق الخلق والآثار ( وما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ) حيث لا قبل له ولا بعد ، ويؤثر ولا يتأثر ، فمن أين تأتيه الأوضاع والأحوال . ( ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال ) حيث كان قبل الزمان والمكان ، وتستوي لديه جميع الأمكنة ، فكيف يوصف بالانتقال من مكان إلى مكان ( ولو وهب - إلى - مطالب الأنام ) . المعادن في الجبال وبطن الأرض وعلى سطحها ، وفي البحار وأعماقها ، والمعنى انه تعالى لو وهب كل غال وثمين كان ويكون في البر والبحر لبقيت خزائنه على ما هي لا ينقصها شيء : « ما عندكم ينفد وما عند اللَّه باق - 96 النحل » . ( لأنه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين ، ولا يبخله إلحاح الملحين ) . نحن نغضب ونضجر عند السؤال والطلب ، وإذا ألح السائل خرجنا عن الحد ، لأن لنا معدة ، ونعمل لنستجيب إلى مطالبها ، لا لنطعم الآخرين ، أما هو سبحانه فإنه الواجد الغني عن كل ما سواه ، والرازق كل ما عداه . ( فانظر أيها السائل فما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتم به ، واستضىء بنور هدايته ) . لا فرق بين أسمائه تعالى وصفاته لأنها عين ذاته ، وبخاصة ان الاسم مأخوذ من السمة ، وهي العلامة . وظاهر كلام الإمام ان أسماء اللَّه وصفاته وقف على ما جاء في القرآن الكريم . وفي رأينا ان كل كلمة تليق بجلاله تعالى وعظمته يصح إطلاقها عليه ، وإن لم يرد النص عليها . ومراد الإمام من قوله : « فما دلَّك عليه القرآن » هو النهي عن وصفه ، جلت عظمته ، بما لا يليق بتنزيهه ومكانته .