محمد جواد مغنية
527
في ظلال نهج البلاغة
وقال سبحانه : * ( « وجَعَلُوا لِلَّه أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ ) * - 30 إبراهيم » . ومثل ذلك كثيرا في كتاب اللَّه . ( واعلموا انه ما من طاعة اللَّه شيء إلا يأتي في كره ) . لأن طاعته تلزم بالحق ، والطريق اليه شائك ومرهق تكتنفه الصعوبات والغراقيل ، وقال بعض المفكرين : « الحق هو الانتصار على جاذبية الأرض ، والتحرر من ثقل الجسد » أي من الأهواء والشهوات ( وما من معصية اللَّه شيء إلا يأتي في شهوة ) تتفق تماما مع الرذيلة على عكس الفضيلة ولو اتفقت الفضيلة مع الشهوة أيضا لما كان للقيم والأخلاق والشرائع عين ولا أثر ، وكان الناس كلهم سواء لا خبيث فيهم ولا لئيم . ( وقمع هوى نفسه - إلى معصية في هوى ) . الضمير في أنها يعود إلى النفس ، وهي تشاكس وتعاكس ، ولا تقلع عن ملذاتها بالحسنى ، لا بد من جهادها وإعداد العدة لكبحها . وقد يقال : ان هذا الكلام بظاهره يؤيد ويدعم أصحاب نظرية الخطيئة ، وان الانسان مجرم بالفطرة ، ورجس بالطبيعة . . ولكن كلام الإمام بعيد عن التعريف بطبيعة الإنسان وتحديدها من حيث هي ، وإنما يتكلم عن ميول الانسان ورغباته التي تدفعه إلى الحركة بصرف النظر عن طبيعته وحقيقته ، وهذه الميول والرغبات قد تتولد من الخارج لا من الداخل ، ومن المحيط والبيئة لا من الفطرة والطبيعة . والذي نراه أن الانسان يخلق صحيفة بيضاء لا طاهرا بطبعه ولا دنسا ، ولكن فيه الاستعداد التام ، والمؤهلات الوافية للوصفين معا ، والمحيط هو الذي يقرر حياته ومصيره تماما كالصفحة البيضاء ترسم فيها ما شئت من صواب أو خطأ ، وهذا ما عناه بعض الفلاسفة بقوله : « الانسان مشروع وجود » . أجل ، ان الانسان ناطق بطبعه أي عاقل ومدرك كما عرّفه الفلاسفة القدامى ، والهدف الأول من العقل أن يقيك من شر المخاطر ، فمن استعمل عقله لهذه الغاية فهو إنسان شكلا ومحتوى ، وإلا فهو إنسان بالاسم والجسم فقط . ( ان المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلخ ) . . كل عاقل - مؤمنا كان أم غير مؤمن - يتهم نفسه ، ويعيب عليها التقصير ، ويطلب منها ولها المزيد من الكمال ، والتحرر من الرذائل والعيوب . ومن أكبر العيوب أن يبرّيء الانسان نفسه من