محمد جواد مغنية
508
في ظلال نهج البلاغة
( فو اللَّه لو لم يصيبوا - إلى - كله ) . يقسم الإمام بأن جيش الجمل بأكمله يستحق القتل لو قتلوا عن قصد رجلا واحدا ، وعلل ذلك بقوله : ( إذ حضروه فلم ينكروا ولم يدفعوا عنه بلسان ولا بيد ) . وتساءل الشارحون وغيرهم حول هذا التعليل وقالوا : هل يجوز قتل من لم ينكر المنكر مع تمكنه من الانكار . وأجاب البعض بأنه يجوز شرعا قتل الساكت عن إنكار المنكر مع القدرة عليه . وقال آخر : مراد الإمام أن من اعتقد جواز القتل بغير الحق فقد أنكر ضرورة دينية . ومن البداهة ان هذا مرتد ، والمرتد مباح الدم . . وفي كل من الجوابين نظر ، لأنه ما من عاقل يحبذ ويحلل القتل بلا جريمة ، وأيضا الفقهاء لا يستحلون دم الساكت عن المنكر ، وان استطاع الانكار . . والأولى في الجواب أن يقال إن الإمام يتحدث عن الذين شقوا عصا الطاعة بخروجهم على إمام الزمان ظلما وعدوانا ، وقطعوا الطريق للإفساد في الأرض ، فإذا قتل بعض هؤلاء مسلما بريئا ، ورضي بعضهم الآخر ، ولم يدفع مع قدرته على الدفع ، فقد حل قتل الجميع بلا استثناء . وإن قال قائل : من خرج على إمام زمانه يحل قتله على كل حال ، أفسد في الأرض ، أم لم يفسد . قلنا في جوابه : كلا ، لأن مفهوم الخروج على إمام الزمان لا يتحقق شرعا ولا عرفا إلا بالإفساد ، أما مجرد عدم السمع والطاعة فهو ذنب ، ولكنه ليس بخروج ، ولا تجري عليه أحكامه . ( دع ما انهم قتلوا من المسلمين إلخ ) . . إن أصحاب الجمل لم يكتفوا بقتل واحد ، بل قتلوا ما يضاهي عددهم أو يزيد . وتقدم الكلام عن أصحاب الجمل مرات ، وفي شرح خطب كثيرة . ومن أراد التفصيل من الوجهة التاريخية فعليه بشرح ابن أبي الحديد ، فقد أطنب هنا وأطال .