محمد جواد مغنية
502
في ظلال نهج البلاغة
والأرض تدور حول نفسها وحول الشمس ، والقمر يدور حول نفسه وحول الأرض ، والجو هو السبيل الذي يمهد لدوران الشمس والقمر والأرض وغيرها من الكواكب والأجرام ، ولولاه لتعذرت الحركة بشتى أنواعها ، أما الكواكب السيارة فمنها عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل وغيرها ، وتسمى هذه بالمجموعة الشمسية . وبعد ، فإن المدبر الأعظم سبحانه خلق الكون ، وأودع فيه القوانين تفعل فعلها ، وتحدث أثرها المطلوب بدقة وعناية ، وفي كل آن ولحظة ، وإذا كان هذا من غير قصد وهدف لم يبق أي فرق بين الفوضى والنظام ، وبين ما تجمعه الرياح من تلول الرمال في الصحراء ، وبين المدن والعواصم . ( وجعلت سكانه سبطا من ملائكتك إلخ ) . . وهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول ، وبأمره يعملون . . هذا ما نؤمن به ، ولا خبرة لنا بحقيقة الملائكة وحياتهم ، ولا نقول عن جهل ، أما تفسير الكلمات التي جاءت في وصفهم فتقدم في شرح الخطبة 1 و 90 ( ورب هذه الأرض إلخ ) . . نحن والحيوانات والطيور والحشرات ، وما نعرف ولا نعرف من المخلوقات الأرضية ، والكل من تربة هذه الأرض تسيطر على حركاتهم وسكناتهم ، ثم تطويهم في جوفها إلى أن يبدل اللَّه الأرض ( ورب الجبال الرواسي إلخ ) . . للجبال منافع ، منها ان الانسان بها يعتصم من السيول والغارات ، وانها تفجر العيون كما سبق في الخطبة 90 ، وأهم منافعها اطلاقا ان الأرض لولا الجبال لزادت جاذبية الشمس لها وتناثرت بما فيها في الفضاء أشلاء وهباء * ( « وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) * - 15 النحل » . ( إن أظهرتنا على عدونا إلخ ) . . مهد الإمام أولا بالتضرع إلى اللَّه سبحانه ، وأثنى عليه ، ثم سأله مخلصا أن يجنبه البغي ، ويسدده لإقامة الحق ونصرة العدل إن كتب له الغلبة على أعدائه ، وإن كان قد قضى لهم بالنصر دونه فليمنّ عليه بالشهادة في طاعته ، والعصمة عن معصيته ، وهذا الابتهال والسؤال يوحي بما يلي : 1 - شعور الإمام بجلال اللَّه وعظمته ، وثقته بعدله ورحمته ، وخوفه من غضبه وعذابه . 2 - اعراض الإمام عن الدنيا وزهده في الحكم والسلطان ، بل والتفوق على الأعداء ، وتفويض أمره إلى اللَّه في كل شيء ، ولا يطلب منه شيئا حتى النصر على الأعداء إلا شيئا واحدا ، وهو الرضا ، وبالخصوص ساعة الموت ، ولأن