محمد جواد مغنية

482

في ظلال نهج البلاغة

أساس الأخوة والعدل والسلام ، ومن انحرف عن هذا الأساس فقد سار على سنة الأولين الذين ( لا في الدين يتفقهون ، ولا عن اللَّه يعقلون ) . ( كقيض بيض في أداح ، يكون كسرها وزيرا ، ويخرج حضانها شرا ) . ان وجود الجاهل السفيه سوء وشر ، وقتله وزر واثم ، أما الأول فواضح ، واما الثاني فلأن القتل محرم إلا أن يكون حدا أو قصاصا ، وكثير من الأشرار يرتكبون كل قبيح إلا الأسباب الموجبة للقتل . وإذن يكون قتلهم محرما . ووجودهم شرا . . أما وجه الشبه بين كسر البيض وبين الشرير الذي يضر وجوده . ويحرم قتله - فيمكن تقريره وتوضيحه بأن العاقل إذا رأى بيضا في مكان ما فلن يتعرض له إطلاقا ، لا بكسر ولا بحضان للفقس ، لأن الكسر بلا مبرر كقتل السفيه الجاهل بلا سبب موجب ، اما الحضان للفقس فربما يكون البيض لأفعى ، فينتج الحضان شرا كوجود الجاهل السفيه . ( افترقوا بعد ألفتهم ، وتشتتوا بعد أصلهم ) . يشير بهذا إلى حال المسلمين ، وانهم كانوا على قول واحد في عهد رسول اللَّه ( ص ) ثم افترقوا بعده شيعا وأحزابا ، وما تمسك بالثقلين : كتاب اللَّه ، وعترة النبي ( ص ) - كما أوصى أمته - إلا قليل ، وقد أشار الإمام إلى هذا القليل بقوله : ( فمنهم آخذ بغصن أينما مال مال معه ) فالمراد بالغصن الثقلان ، وبالميل معه التمسك بهما ( على أن اللَّه تعالى سيجمعهم لشر يوم لبني أمية ) يخبر الإمام بهذا ان المسلمين بعد تفرقهم سيجتمعون يدا واحدة للقضاء على سلطة أمية الطاغية الباغية ( كما تجتمع قزع الخريف ) أي يجتمع المسلمون ضد الأمويين كاجتماع قطع السحاب المتفرقة في فصل الخريف يتراكم بعضها فوق بعض . والى هذا التراكم أشار الإمام بقوله : ( ركاما كركام السحاب ) . ( ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين ) بعد أن علم سبحانه صدق النية من المسلمين على حرب الضلال ، والثورة على الظلم ، مهد لهم السبيل وفتح عليهم أبواب النصر . فانطلقوا من مكان ثورتهم كسيل العرم الذي سلطه سبحانه على جنتي سبأ ، وقد أشار ، عظمت كلمته ، إلى هذا السيل بقوله : * ( « لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ واشْكُرُوا لَه بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ) * - 16 سبأ » . ( حيث لم تسلم عليه قارة ) . ضمير عليه للسيل ، والمراد بالقارة هنا الجبل