محمد جواد مغنية

456

في ظلال نهج البلاغة

( بدئت من سلالة إلخ ) . . قال سبحانه : * ( « ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناه نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ) * - إلى قوله تعالى - * ( فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) * - 15 المؤمنون » . ( فمن هداك - في ساعة ولادتك - لاجترار الغذاء من ثدي أمك ) . ما أن يسقط الجنين من بطن أمه حتى يلتمس الثدي ، ولا تنشق البيضة عن الفرخ حتى يلتمس الحب بمنقاره ، وما رأى أحدا من قبل حتى يحاكيه . . انها غريزة ، ما في ذلك شك ، ولكن من الذي أودعها فيه . * ( « فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ ) * - 83 يس » . الكون والنظام : ومن نظر وتأمل هذا الكون يجد انه مسخر للقانون والنظام في جميع أوضاعه وأطواره ، فكل كوكب يبعد عن الآخر بمقدار ، ويسير بحساب ، وكذلك الضوء والحرارة والبرودة . . لكل شيء حد لا يعدوه ، ولو تجاوزه لاختل نظام الكون ، وكان مصيره الخراب والدمار : * ( « وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَه تَقْدِيراً ) * - 2 الفرقان » . وقال أكثر الفلاسفة بوحدة الكون على تباين أشيائه ومحتوياته ، وانه شخص كثير الأعضاء والأجزاء ، وأسماه بعضهم بالانسان الكبير ، وأسمى الانسان بالكون الصغير ، ومرادهم بوحدة الكون وحدة القوانين التي تربط بين كواكبه وأركانه . هذا ما يعود إلى الكون بوجه عام ، أما أشياؤه واحداثه فإن منها - كما شاهدنا بالعيان - ما يقوم بوظيفة خاصة ، ويهدف إلى غرض معين ، وتبدو هذه الحقيقة واضحة في أعضاء الانسان والحيوان ، ومن قرأ شيئا من علم وظائف الأعضاء رأى عجبا . . وما انا من أهل هذا الفن في شيء ، ولكني قرأت بعض ما قاله أهل الاختصاص ، فشعرت بأنه لا شيء في هذا الكون إلا وهو مدهش وعجيب تماما كالكون في عظمته ، وما وجدت تفسيرا لذلك إلا بقوة عليا تقدّر وتدبر من وراء الطبيعة ، وقد اتهمت نفسي في البداية ، وقلت : ربما كان شعوري هذا انعكاسا عن عقيدتي وإيماني حتى قرأت كتاب : الانسان . . ذلك المجهول ، للطبيب الفرنسي الشهير « الكسيس كاريل » . وقد حصل هذا العالم - بالإضافة إلى إجازة الطب - على إجازة في العلوم ، وجائزة نوبل ، ودرّس في الولايات المتحدة