محمد جواد مغنية
452
في ظلال نهج البلاغة
الوجود ومبدأ كل كائن ، ومن وجب وجوده بالذات فهو موجود أزلا وأبدا لا بداية له ولا نهاية ، ولو سبقه العدم لم يكن أزليا ، ولو انتهى وجوده لم يكن أبديا ودائما ، وبالتالي لا يكون واجب الوجود ، وهو خلاف الواقع ( حد الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها ) . جعل للمخلوقات بداية ونهاية ، وحجما ولونا ، وطولا وعرضا ، وطعما ورائحة ، وحرارة وبرودة ، وحركة وسكونا ، وما إلى ذلك من صفات الحادث وحالاته : وهذا دليل قاطع على أن الأشياء مباينة لخالقها ، لأن الصانع غير المصنوع ، والحادّ غير المحدود ، كما قال الإمام في الخطبة 151 . ( لا تقدره الأوهام بالحدود والحركات ، ولا بالجوارح والأدوات ) . كل ما تتخيله في وهمك ، وتتصوره في ذهنك مثالا للَّه تعالى فهو مردود عليك ، لأن اللَّه سبحانه ليس كمثله شيء ، وتقدم مثله في الخطبة 1 و 84 و 154 ( لا يقال له متى ولا يضرب له أمد بحتى ) . انه تعالى ليس زمانيا كي يسأل عنه بمتى ، أو يحدد بحتى . . انه الأول بلا ابتداء ، والآخر بلا انتهاء ( الظاهر ) بخلقه وآثاره ( لا يقال مما ) لأن من للابتداء المسبوق بالعدم ( والباطن ) في ذاته وحقيقته ( لا يقال فيم ) لأن في الظرف الزمان والمكان . واللَّه سبحانه منزه عنهما . ويومئ إلى الرد على من قال بوحدة الوجود ، وانه تعالى علوا كبيرا يستقر في جميع الكائنات ، ويتحد معها اتحادا كليا بحيث لا يمكن التمييز بينه وبينها . ( لا شبح فيتقصى ) . الشبح يمكن النظر اليه ، والتقصي تتبع الأخبار والحالات بالنظر ونحوه ، قال تعالى : * ( « وقالَتْ لأُخْتِه قُصِّيه فَبَصُرَتْ بِه عَنْ جُنُبٍ ) * - 11 القصص » . وهذا محال في حقه تعالى ( ولا محجوب ) بحجاب مادي ( فيحوى ) لا تحويه أرض ولا سماء لأنه ليس بجسم ، وقال الإمام في مقام ثان : لا يحويه مكان . . ولا تحجبه السواتر ( لم يقرب من الأشياء بالتصاق ) لأن الالتصاق من لوازم الأجسام ، واللَّه منزه عنها ، وإنما يقرب من الأشياء بتدبيره لها ، وعنايته بها ( ولم يبتعد عنها بافتراق ) في المكان ، بل في الذات والصفات . ( ولا يخفى عليه ) شيء في أي مكان أو زمان كان ويكون ( يتفيأ عليه القمر المنير ) . تفيؤ القمر : غيابه وطلوعه هلالا وبدرا ، وضمير عليه يعود