محمد جواد مغنية
437
في ظلال نهج البلاغة
وفي الخطبة التي نحن بصددها تكلم الإمام عن حياة النبي ( ص ) العادية ، وتصرفاته مع نفسه وفي بيته كقوله : ( قضم الدنيا قضما ) أي ما أصاب منها إلا بقدر الحاجة والضرورة ، وقوله : ( يخصف بيده نعله ، ويرقع بيده ثوبه إلخ ) . . وما هذا التحقير للدنيا والزهد فيها إلا تواضع للَّه نابع من ذات النبي وشخصيته ، وطبعه وطابعه بلا تصادم ميول وزواجر ، وتغلب العقل على المشاعر . وتسأل : إذا كان زهد النبي ( ص ) في الدنيا نابعا من ذاته فكيف يأمر الإمام بالتأسي والاقتداء به وهل نفوس الناس كنفوس الأنبياء في طهرها وصفائها ومن الذي يقدر ويستطيع أن يغير ذاته وطبعه . الجواب : مراد الإمام بالتأسي هنا أن لا نتهالك ونتكالب على الدنيا ، ونثير من أجلهما الحروب ، ونفتح أبواب الفساد والجلاد . . هذا ، إلى أن الانسان يستطيع الصبر على جهاد نفسه وكبحها إذا مالت إلى ما يضر بدينه أو دنياه . ( وعلم أن اللَّه سبحانه أبغض - إلى - فصغره ) استجاب النبي ( ص ) لأمر اللَّه وأطاعه بفطرته وسجيته بلا تكلف وتثاقل ( ولو لم يكن فينا - إلى - أمر اللَّه ) كيف تدعي الإيمان باللَّه ورسوله ، وأنت تكره ما يحبان ، وتحب ما يكرهان أليس هذا صدودا وعنادا للَّه ورسول اللَّه ( ولقد كان يأكل على الأرض إلخ ) . . وأيضا في كتب السيرة : انه كان في طعامه لا يرد موجودا ، ولا يتكلف مفقودا ، وانه كان يشد على بطنه حجرا من المجاعة ، وكان قدحه من خشب غليظ يشرب فيه ، ويسقي أصحابه مبتدئا بالذي على يمينه كائنا من كان على يساره ، وكان يحب النظافة وحسن المظهر ( ولا يعتقدها قرارا ) بل يعامل الدنيا كما هي في واقعها من أنها دار ممر لا دار مقر . ( فلينظر ناظر بعقله - إلى - الهلكة ) . ان مكانة محمد ( ص ) عند اللَّه سبحانه لا تقاس بها أية مكانة ، فقد اصطفاه ليكون خاتم النبيين ، وأثنى عليه بما لم يثن به على سواه ، فقال : * ( « وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * - 4 القلم » . وأقسم بحياته ، ولم يقسم بحياة غيره كما في الآية 72 من سورة الحجر * ( « لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ » ) * ومع هذا كان يمر عليه الشهر لا يجد ما يخبزه ، ولو كانت الدنيا جزاء وثوابا من اللَّه للمتقين لأكرم بها محمدا حبيبه وصفوته ، ولكان