محمد جواد مغنية
438
في ظلال نهج البلاغة
الأنبياء أحرص الناس على الدنيا . . ومن أجل هو انها عليه تعالى أبعدها عنهم ، وأبعدهم عنها . ( فإن اللَّه جعل محمدا ( ص ) علما للساعة ، ومبشرا بالجنة ، ومنذرا بالعقوبة ) . قال الشيخ محمد عبده : « أي ان بعثة محمد ( ص ) دليل على قرب الساعة حيث لا نبي بعده » . وهذا بعيد عن الواقع وعن دلالة الكلام ، لأنه لا يشير من قريب أو بعيد إلى ختم النبوة والأنبياء . والأقرب ان المراد بالعلم - بفتح العين - العلامة ، وبالساعة القيامة ، واللام الداخلة عليها للتعليل ، والمعنى ان اللَّه سبحانه أرسل محمدا لكي يبلغ الناس بأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وان الجنة للمتقين ، والنار للغاوين . مدرعة الإمام تنص عليه : ( واللَّه لقد رقعت مدرعتي هذه إلخ ) . . استدل الشيعة على خلافة الإمام بالنص كتابا وسنّة ، وذهلوا عن المدرعة ، وهي وما إليها أصرح وأوضح من جميع النصوص ، لأن النص فرع لا أصل ، وانعكاس عما هو واقع وكائن بكل ما فيه ، والمدرعة شيء محسوس وملموس تنطق بالحق عن صاحبه ، وتشهد بصدقه فيما قال : « أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى . . أقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في خشونة العيش . » . ( من كتاب له إلى عامله عثمان بن حنيف الأنصاري ) . وهل يريد المؤمنون أميرا يلهو عنهم بنفسه وذويه ، ولا يشاركهم في مكاره الدهر . وهل يكون أميرا حقا وصدقا من لا يرى إلا همومه ومشاكله . ومن أراد هذا الأمير ، ورضي بإمرته على المسلمين - فهل هو عند اللَّه من المؤمنين والمسلمين . . ومن درس تاريخ المسلمين بعد رسول اللَّه بتأمل وإمعان يرى أن قلوب الجماهير كانت مع علي ، لأنه الناطق بلسانهم ، والمعبر عن آمالهم ، والثائر من أجلهم في كل كلمة من كلماته ، وكل خطوة من خطواته . هذا هو المنطق المعقول الذي يفرضه مقتضى الحال ، ويدل عليه قرص علي ومدرعته ، وهما ذنبه الوحيد عند من أبغضه وثار عليه .