محمد جواد مغنية
430
في ظلال نهج البلاغة
الخوف منه حقا هو اللَّه وحده : * ( « سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ ) * - 11 الفتح » . ( يرجو اللَّه في الكبير - إلى - الرب ) . يرجو اللَّه ويطلب منه الجنة التي جاء في وصفها : ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . يطلب من اللَّه هذا النعيم الثمين ، ولا يعمل له أو يعمل القليل . ومن حكم الإمام « الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر » . والغريب ان العبد إذا رجا مثله ، وطلب منه القليل الحقير جد واجتهد ، وبالغ في العمل له ، وعلى النقيض إذا طلب من اللَّه . وهكذا يشتري الزهيد بأغلى الأثمان ، ويبتغي شراء الثمين بالزهيد التافه . فأين الانسجام . وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على ضعف الايمان وعدم الثقة باللَّه . ( فما بال اللَّه جل ثناؤه يقصر به عما يصنع به لعباده ) . ما بال اللَّه أي ما بال حق اللَّه ، والمراد بما يصنع به - بالبناء للمجهول - الشيء المصنوع ، وهو معروف اللَّه وإحسانه ، والمعنى لما ذا تتهاونون بحق اللَّه سبحانه ، وتقصرون عن شكر ما صنعه لكم من المعروف والإحسان . هذا ما عندنا في تفسير هذه الجملة الغامضة ، وقد تجاوز عن توضيحها بعض الشارحين ، وفسرها آخر بما زادها تعقيدا وغموضا . ( أتخاف أن تكون في رجائك له كاذبا ) . لما ذا لا تعمل للَّه إذا رجوته ، وتعمل كثيرا لغيره إذا رجوت منه القليل هل معنى هذا في مفهومك ان من كان مثلك في حقارته لا ينبغي أن يسأل من اللَّه شيئا ، لأنه تعالى لا يفيض الخير إلا على من هو أجلّ وأعظم ، فإن كان الأمر على هذا فأنت مخطئ في ظنك ، لأن رحمة اللَّه وسعت كل شيء ، وما أغلق بابه دون الراغب أيا كان ، وما على الراجي إلا أن يقف ويقرع . ولقد جربت واللَّه ففتح لي بابه الكريم على مصراعيه . احمده تعالى ولا أحمد أحدا غيره ( أو تكون لا تراه للرجاء موضعا ) . أنت لا ترجو اللَّه بدافع الجد لأنك لا تراه أهلا للرجاء ، وإذن فقد أسأت الظن باللَّه . وهذا هو الكفر بالذات . ( وكذلك ان هو خاف - إلى - ضمارا ووعدا ) أي انه يخاف عبدا مثله أكثر مما يخاف اللَّه . والحق ان أكثر الناس يحبون العاجلة ، ويذرون الآخرة ،