محمد جواد مغنية
429
في ظلال نهج البلاغة
لرحمك » . وأسلوب هذه الرواية من أبلغ أساليب التخويف والتحذير من معصيته تعالى وإلا فإن اللَّه سبحانه قد كتب على نفسه الرحمة بالمتقين ، وأمنهم بقوله : * ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * - 62 البقرة . أجل ، ان دأب المتقين أن يعادلوا بين الخوف والرجاء حتى ولو جاؤوا ببر الثقلين ، وقال في وصفهم عالم شاعر : تعادل الخوف فيهم والرجاء فلم يفرط بهم طمع يوما ولا وجل والغرض الأول والأخير من هذا التوازن والتعادل هو وجود المحرك والباعث على الجد والعمل لجلب المنفعة ودفع المضرة . . ولا ريب في هذا من الوجهة النظرية ورسم الخطوط العريضة ، ولكن صحة النظرية في نفسها لا تكفل النتيجة ، وكثيرا ما تصطدم بالملابسات والظروف عند التطبيق بخاصة إذا كان وضع الانسان أبعد ما يكون عن الاتزان والاعتدال . . وعلى أية حال فإذا جاز لواحد من الناس أن ييأس على حساب نفسه ، فلا يجوز له اطلاقا أن ييأس على حساب شعبه ووطنه ، ومن ثبط وخوّف من مكافحة الخونة والمعتدين فهو خائن أثيم أيا كانت ظروفه وأوضاعه . المعنى : ( يدعي بزعمه انه يرجو - إلى - عمله ) . وخير تفسير لهذه الجملة ما روي عن الإمام جعفر الصادق ( ع ) : فقد سئل عن قوم يعملون بالمعاصي ، ويقولون : نرجو . . فقال : كذبوا ، ان من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه ( وكل رجاء إلا رجاء اللَّه تعالى فإنه مدخول ) . في الكلام تقديم وتأخير ، وأصله : كل رجاء فإنه مدخول إلا رجاء اللَّه ، ومعناه : ان أي عبد رجا عبدا مثله فرجاؤه هذا ليس بشيء ، أو شيء لا خير فيه ، لأن اللَّه وحده هو محل الأمل والرجاء ( وكل خوف محقق - أي موجود - الا خوف اللَّه فإنه معلول ) . أيضا في الكلام تقديم وتأخير ، والأصل : كل خوف محقق فإنه معلول إلا خوف اللَّه ، ومعناه : ان من خاف غير اللَّه فخوفه موجود بالبديهة ، ولكن هذا الخوف مجرد وهم ، وفي غير محله لأن غير اللَّه أحقر من أن يخاف منه ، والذي يجب