محمد جواد مغنية
39
في ظلال نهج البلاغة
للمنبر - حول الإسلام والعمل : ( فلما مهد أرضه - إلى - بمنزلته ) . بعد أن أشار الإمام ( ع ) إلى صفة الملائكة والأرض أشار إلى قصة آدم أبي البشر ، وانه الانسان الأول من نوعه وفي حقيقته ، أو في عهده ، وزمانه كما يومئ قول الإمام : « وجعله أول جبلته » . واللَّه سبحانه خلق آدم من تراب هذه الأرض أم الدواهي والمصائب ، والموت والفناء . . ومع هذا أسكنه في جنة لا ينقطع نعيمها ، ولا يظعن مقيمها . . وتشعر الآية 20 من سورة الأعراف : « وقال - أي الشيطان لآدم وحواء - ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين » . تشعر هذه الآية ان آدم وحواء قد طاب لهما المقام في جنة الخلد والنعيم ، وانهما خافا بوسوسة الشيطان أن لا يطول مقامهما في الجنة ، وان يطردا وأنه لا وسيلة للخلود والبقاء إلا أن يأكلا من الشجرة المحرمة . . مع أن النقيض هو الصحيح ، وان الأكل منها هو سبب الطرد والنفي ، ولكنهما استجابا للشيطان وكان منهما ما كان . وقال ما جن أو حكيم : ان آدم كان يعلم حق العلم بأنه لا يطرد من الجنة إلى الأرض إلا إذا أكل من الشجرة ، ومع هذا أقدم وأكل عن عمد ، وبقصد أن يطرد وينفى إلى الأرض ، لأنه ملّ حياة الكسل والبطالة مع النعيم والخلود ، وآثر عليها حياة الجد والعمل مع الآلام والمتاعب ، لأن متعة العمل والانتاج تفوق كل متعة حتى متعة الخلود في النعيم ، وكفى بالعمل متعة وعظمة ان الانسان لا يصل إلى الكمال ، ويستحيل أن يصل إليه إلا بالعمل ، وإذا أردنا أن نحدد الاسلام بكلمة واحدة فلا نجد كلمة أجمع وأمنع من كلمة « العمل الصالح » ومن أجل هذا كررها سبحانه في كتابه العزيز عشرات المرات ، وأناط بهذا العمل سعادة الدنيا والآخرة ، وبكلمة ثانية ان الاسلام مخطط للعمل الذي خلق الانسان من أجله ، ولا شك في أن الانسان خلق للخير لا للشر ، وللصلاح لا للفساد . ( فأقدم على ما نهاه عنه موافاة لسابق علمه ) تعالى بأن آدم سيأكل من الشجرة برغم النهي والتحذير . وتسأل : ان علمه تعالى لا يتخلف عن المعلوم تماما كإرادته التي لا تتخلف عن المراد ، وإذا كان سبحانه يعلم مقدما بأن الانسان سيعصي ويخالف الأمر والنهي