محمد جواد مغنية
40
في ظلال نهج البلاغة
فمعنى هذا ان إرادة الانسان مغلوبة لعلم اللَّه ، وبالتالي يكون الانسان مسيّرا لا مخيّرا ، وإذن لما ذا الحساب والعقاب . الجواب : فرق كبير بين سابق علمه تعالى بسوء اختيار العبد لفعل الشر ، وبين سابق علمه سبحانه بفعل الشر من حيث هو ، وبصرف النظر عن إرادة فاعله واختياره له ، فإن العلم الأول مجرد كشف عن وجود المعلوم في الحال أو الاستقبال تماما كعلم الأستاذ بأن لهذا التلميذ النجيب النشيط مستقبلا زاهرا ، وكعلمك بأن فلانا الذي تعرفه جيدا سيرفض لا محالة لونا معينا من الطعام متى قدم له . وأما العلم الثاني فليس كشفا عن وجود الفعل ، بل علة لوجوده . . وبكلام آخر : فرق بين قولك : علمت بأن زيدا سيسافر غدا ، وبين قولك : لما علمت بأنه يسافر سافر . . وعلمه تعالى بصدور الفعل من العبد هو من النوع الأول . الأرض والانسان : ( فأهبطه بعد التوبة ليعمر أرضه بنسله ) . الأرض ذرة صغيرة ، ألقي بها في خضم الكون ، أما نسبة الانسان إلى الأرض فهي تماما كنسبتها إلى الكون العجيب ، ومع هذا فإن الانسان عند نفسه هو النهاية والغاية التي وجد الكون من أجلها . . وبعد أن تقدم الانسان بعقله وعلمه شعر بضالته ، بل شعر بأنه أكثر وحشية من الوحوش الكاسرة . . وعلى أية حال فنحن من الأرض ولدنا ، واليها نعود ، ومنها أقواتنا وحياتنا ، وفيها علومنا وحضارتنا . . ويحتم هذا أن نتعاون جميعا على عمارتها وإحيائها ، ونتقاسم خيراتها بالعدل على أن يسدد كل واحد حسابه بما يبذله من جهد وعمل في هذا السبيل . ( وليقيم به الحجة على عباده ) . ضمير به يعود إلى آدم ، وقوله حجة قاطعة على من سمعه مباشرة كأولاده الأقربين ، أو رواية كالأولاد الأبعدين تماما كغيره من الأنبياء ( ولم يخلهم - إلى - نذره ) . أرسل سبحانه بعد آدم كثيرا من الأنبياء مبشرين الخلائق ومنذرين ليكونوا على صلة دائمة باللَّه وشريعته ، ولا فرق بين متقدم ومتأخر من حيث الدعوة إلى اللَّه سبحانه ، بل لا فرق بين