محمد جواد مغنية

356

في ظلال نهج البلاغة

حول السرعة : ( فكم من مستعجل بما ان أدركه ودّ انه لم يدركه ) . بالصبر والروية يبلغ الانسان ما يريد ، ويضع الأشياء في موضعها الصحيح . . وكم من سرعة جلبت منية ، كسائق العربة : يسرع ليوفر بعض الوقت فيهلك ويهلك . . والاعتدال حسن في كل شيء حتى في الصلاة وذكر الموت ، فإن الإكثار منهما قد يفسد الحياة ، والغلو في الحقائق يحيلها إلى أباطيل ، وقديما قيل : إذا تجاوز الشيء عن حده انعكس إلى ضده ، وقال سيد النبيين ( ص ) : أما واللَّه اني لأخشاكم للَّه ، وأتقاكم له ، ولكن أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، ومن رغب عن سنتي فليس مني . وفي كتاب « كيف يحيا الانسان » للفيلسوف الصيني « لين يوثانج » : « إن خيرة المحاربين لا يظهرون غضبهم الجامح ، وان أعظم الفاتحين انتصارا يكتسبون الانتصارات دون أن يخوضوا المعارك ، كما أن أفضل الناس استخداما للآخرين يتظاهرون بأنهم دونهم ، فهذا هو السلطان الذي يتحقق دون نزاع » . ( وما أقرب اليوم من تباشير غد ) . وكلما قرب الغد بعد الذي قبله ، بل يصير عدما بلا تاريخ إلا مع الأثر الطيب ، وقد يبقى هذا التاريخ والأثر ببقاء اللَّه ، كيوم مولد محمد ( ص ) الذي جاء ايذانا بالتحول الخطير الكبير في حياة العالم كله ، وصدق فيه قول الشاعر : « ولد الهدى فالكائنات ضياء » . ( يا قوم هذا إبان - إلى - ما لا تعرفون ) . يشير بهذا إلى ما يحدث بعده من الفتن تمهيدا لقوله : ( ألا وان من أدركها - إلى - الصالحين ) . ستقع فتن كثيرة ومتنوعة بعد الإمام في كل زمان ، وفي الشرق والغرب ، ومنها ما يحدث في عصر الأئمة الأطهار من آل الرسول ( ص ) وأي منهم أدرك شيئا من ذلك فإنه يعالجه بما تستدعيه الحكمة ، ويهدي اليه العقل السليم ، ودين اللَّه القويم كما يفعل الأنبياء والأوصياء . ( ليحل فيها ربقا ) يدفع الشبهات ، ويحل المشكلات ( ويعتق رقا ) من الجهل والضلال ، أي يهتدي الكثير بنوره إلى نهج السبيل ( ويصدع شعبا ) يفصل الأخيار الطيبين عن المزيفين الذين يتظاهرون بالخير والصلاح كذبا ورياء ( ويشعب صدعا ) يجمع المؤمنين الطيبين ، ويوحد كلمتهم تحت لوائه بعد أن كانوا موزعين مشتتين ( في سترة - إلى - نظره ) أي ان الإمام يفعل ذلك لوجه اللَّه وبلا طنطنات ودعايات حبا بالسمعة والشهرة ، وطمعا في الثناء والمديح .