محمد جواد مغنية

328

في ظلال نهج البلاغة

بين لذتين أو أكثر كالطعام والشراب والجنس ، بل لا بد من الاقتصار على واحدة . ويلاحظ بأن في مقدوره أن يجمع بين لذة الحكم والسلطان والثراء والطعام في آن واحد ، وبين التمتع بمناظر الطبيعة والألعاب والاستماع إلى الموسيقى أو حديث الأصدقاء ، وبين التزلج على الثلج والنظر إلى الأطفال يتراشقون به . ( ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله ) . الساعة الفائتة تذهب من عمرك ولا يمكن إعادتها بحال ، والتي أنت فيها في طريقها إلى الزوال ، والتي بعدها في كف القدر ، فإن سمح بها فهي على سبيل ما قد مضى . . وفي النهاية ينقضي العمر مع الساعات ( ولا تجدد له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبلها من رزقه ) . الانسان يأكل ما قدر له من الرزق على دفعات ، ولا مكان للوجبة الثانية إلا بعد خروج الأولى من بطنه ، أو في طريقها إلى الخروج ( ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر ) . للطفولة بهجتها ومرحها ، وللشباب نشاطه وو ثباته ، وللشيخوخة جلالها وتجاربها . . ولكن لا طفولة مع الشباب ، ولا شباب مع الشيخوخة ، وما هي إلا مراحل يمر بها الإنسان . . والرجل مسؤول عن طفله حتى يأنس منه الرشد ، فإذا تخطى هذا المسؤول الكهولة إلى الشيخوخة كان محلا لعناية الأبناء والأحفاد . ( ولا يتجدد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد ) . هذا العطف تفسير للمعطوف عليه ، أو من باب عطف العام على الخاص مثل * ( وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ ) * - 48 آل عمران . ( ولا تقوم له نابتة إلا وسقط منه محصودة ) . يأتي الأبناء فيذهب الآباء تماما كالشجرة تنمو وتثمر ، ثم تتحول النواة من ثمرها إلى شجرة ، فإذا أثمرت هذه ذبلت تلك ، وانتهى عمرها ، وهكذا دواليك تستمر الحياة ( وقد مضت أصول ) وهم الآباء ( نحن فروعها فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله ) نحن أيضا ذاهبون على أثر الآباء والأجداد ، لأن الفرع لا يزيد على الأصل في الاستعداد للبقاء ومدته ، والغرض من بيان ما تقدم هو التنبيه إلى أن حياة الانسان تذهب مع الزمن ، وان عليه ان يحرص كل الحرص على انتهاز فرص الخير والعمل الصالح قبل فوات الأوان . ( وما أحدثت بدعة إلا ترك بها سنّة ) . كل تحليل أو تحريم لا دليل عليه من الشرع فهو بدعة ، وإذن فمن ابتدع فقد ترك السنة ، ومن أخذ بالسنة فقد