محمد جواد مغنية
316
في ظلال نهج البلاغة
غير المؤمن ، كما في الحديث الشريف : « البلاء موكل بالمؤمن . . إن أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الذين بلونهم الأمثل فالأمثل » . أجل ، ان اللَّه سبحانه قد يغير مجرى الطبيعة في حادث معين ، ولحكمة أوجبتها الظروف ، كإظهار المعجزة الخارقة على يد نبي من الأنبياء . . وهذا نادر جدا مؤقت سرعان ما يزول إلا معجزة محمد ( ص ) وهي القرآن الباقي ببقاء اللَّه سبحانه . وتسأل : انك قلت : إن اللَّه سبحانه يتعامل مع عباده في الدنيا بالإرشاد لا بالجزاء ، ولا يتفق هذا مع قول الإمام : « إن اللَّه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات إلخ » . . لأنه يدل بظاهره انه تعالى يعاقب المسئ ، ويؤدبه في الحياة الدنيا بالحرمان والفاقة . الجواب : أولا : الذي شاهدناه بالعيان ان الدنيا جنة الأشرار مالا وسلطانا : * ( ولَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ) * - أي على الكفر - * ( لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ) * - 33 الزخرف . وكلام الإمام لا يفسر بغير الواقع . ثانيا : ليس المراد بالابتلاء هنا العقاب والجزاء ، لأن اليوم عمل ولا حساب ، انما المراد به الامتحان والاختبار لتظهر الأفعال التي بها يستحق الانسان الثواب والعقاب . ثالثا : إن قول الإمام : « اللَّه يبتلي عباده عند الأعمال السيئة » ليس معناه انه تعالى لا يبتلي عباده عند الأعمال الحسنة . . كلا ، فإن البلاء ينزل بمن أساء وأحسن ، وهو ينطوي على حكمة بالغة ، لأنه يميز الخبيث من الطيب ، والدخيل من الأصيل . . ولولا التضحية والصبر في الجهاد وعلى الاستشهاد ما عرف الناس أهل المباديء والعقائد الذين غيّروا وجه العالم ، ولا تقدمت الحياة خطوة واحدة إلى الأمام ، وأيضا قد يحرك البلاء المسئ إلى التوبة والإقلاع عن إساءته ، والى هذا يشير الإمام بقوله : « ليتوب تائب ، ويقلع مقلع ، ويتذكر متذكر ، ويزدجر مزدجر » . ( وقد جعل اللَّه سبحانه الاستغفار إلخ ) . . ليس من شك ان الاستغفار سبب لرضوان اللَّه وغفرانه بنص الكتاب والسنة ، أما الرزق فلا بد له من زرع وضرع ، وكد وعرق : * ( فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه ) * - 15 الملك . . أجل ،