محمد جواد مغنية
309
في ظلال نهج البلاغة
الإعراب : من عرف « من » مبتدأ ، والخبر جملة فلا يسمعن ، وأما انه « أما » بمعنى « حقا » على قول ، أو للاستفتاح ، والضمير في أنه للشأن . المعنى : ( من عرف من أخيه - إلى - أقاويل الرجال ) . لا تسرع إلى تصديق الشائعات مدحا كانت أم قدحا ، فقد يراد بالثناء مجرد الدعاية والرواج لغاية تجارية تماما كالإعلان عن البضائع والسلع ، وأيضا قد يراد بالذم الكيد والمضارة لأهداف سياسية . . وتجدر الإشارة إلى أن عدم الركون إلى الشائعات حسن بذاته سواء أكانت الإذاعة والإشاعة في الذين آمنوا ، أم في الذين تجهلهم ولا تعرف عنهم شيئا ، وإنما خص الإمام بالذكر من تثق بدينه ورشده لأن الأجدر بك أن تدافع عنه بالنظر إلى ما عهدت منه ، وأن لا تنقض هذا العهد إلا بالقطع واليقين . ( أما انه قد يرمي الرامي ، وتخطئ السهام ) . وكذلك الظن ، فقد تنظر إلى رجل نظرة الازدراء والاحتقار ، لأن ظاهره يوحي بذلك ، وهو في واقعة أهل للتقدير والاحترام ، وقد تظن به الصدق والوفاء ، ويخيب به أملك عند التجربة والامتحان . . وكم من شاعر وناثر نظم أو كتب عن مرارته ، وخيبة أمله بأصدقائه وأقربائه . . وأعترف بأني وقعت فريسة لمظاهر خادعة أكثر من مرة ، وكان عليّ أن أحفظ الدرس من الأولى ، ولكني لم أفعل ، ولا أدري : هل هذا سذاجة في وبلاهة ، أو طيبة وسماحة ( ويحيل الكلام ، وباطل ذلك يبور ) . وأيضا قد يسمع الانسان كلاما فيصدقه ، ويؤمن بأنه من الدين في الصميم ، وهو في واقعه بدعة وضلالة ، أو يظن أنه علم ونور ، وهو جهل وظلام ، وما أكثر الكذب على الدين والعلم . ( أما انه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع ) وفسّر الإمام هذا بقوله : الباطل ان تقول سمعت ، والحق ان تقول رأيت . ويدل هذا التفسير بظاهره ان كل ما تسمعه فهو باطل ، وكل ما تراه فهو حق ، وما من شك ان الإمام لا