محمد جواد مغنية

265

في ظلال نهج البلاغة

والمعدمين . واذن فثورة أبي ذر على الأغنياء كانت بدافع من حب العدل والصلاح ، وباعث من دينه وايمانه بسنّة الرسول ( ص ) وتعاليم الاسلام ، وبقصد الحرص والمحافظة على حقوق المستضعفين وتقسيم الفيء بالسوية على الجميع ، لا بدافع من ايمانه بالاشتراكية وإلغاء الملكية ، وقد جاهر بذلك عمار بن ياسر كما جاهر أبو ذر ، ثم الصحابة وعامة المسلمين ، ثم تراكم الاستياء الذي أدى إلى مقتل عثمان ، ولكن أبا ذر أوذي في سبيل ذلك ايذاء كثيرا حتى نفاه عثمان إلى الشام ، ثم إلى صحراء الربذة ، ولو كان أبو ذر اشتراكيا لثار على عمر بن الخطاب الذي قسم الأموال بالتفاوت ، وميّز بين الفئات والأفراد . كان أبو ذر يأمر بالمعروف ، ويقول : أوصاني خليلي رسول اللَّه ( ص ) أن أقول الحق ولو كان مرا ، ولا أخشى في اللَّه لومة لائم ، وأعوذ باللَّه من الجبن . . يا معشر الأغنياء اجعلوا في أموالكم حقا للسائل والمحروم . . يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء ، ولا تكنزوا الذهب والفضة فتمسكم النار . . يا معشر الأغنياء قال رسول اللَّه : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ، حسبه لقيمات يقيم بها صلبه . . وهذه هي دعوة القرآن بالذات : * ( « والَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ ) * - 19 الذاريات » . . * ( « والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * - 34 التوبة » . وكان يخاطب الفقراء بقوله : اجمعوا مع صلاتكم وصومكم غضبا للَّه إذا عصي في الأرض ، ولا ترضوا الولاة بسخط اللَّه إن أسخطوا اللَّه ، فجانبوهم وازروا عليهم ، فإن اللَّه أكبر وأعلى . . وهذه دعوة الاسلام والقرآن ، قال تعالى : * ( « فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ ) * و * ( لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا ) * - 44 المائدة » . فقال له عثمان : انته عن هذا يا أبا ذر . قال : أتنهاني عن قراءة كتاب اللَّه واللَّه لأن أرضي اللَّه بسخطك أحب إلي من أن اسخطه برضاك . فنفاه عثمان إلى الشام ، ولما دخل دمشق ورأى الخضراء ، قصر معاوية الجديد ، وقف ذاهلا عن كل شيء إلا عن أمر اللَّه وطاعته ، فاستأنف سيرته الأولى وقال : هذه هي الخيانة أو الإسراف . فقال له معاوية : ما الذي أغضبك علينا يا أبا ذر قال إنك أغنيت الأغنياء ، وأفقرت الفقراء . فحاول معاوية أن يشتري أبا ذر بالمال كما حاول عثمان من قبل . . ولكن ما لأبي ذر بد من طاعة اللَّه ، والعمل