محمد جواد مغنية
236
في ظلال نهج البلاغة
هذا الاختلاف قد حدث بين الصحابة أنفسهم ، وفي عهد النبي ( ص ) بالذات ، فلا بد من عالم عادل يفصل بين المختلفين . ( ولما دعانا القوم - إلى - أولاهم بها ) . دعا معاوية وأهل الشام إلى تحكيم القرآن ، وتذرعوا بقوله تعالى : * ( « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) * - 59 النساء » . وللإمام أن يرفض هذا التحكيم بالنظر إلى علمه بالمكر والخديعة ، وله أن يستجيب ، فعسى ولعل ان يحدث اللَّه بعد ذلك أمرا . وتقدمت الإشارة إلى ذلك في الخطبة 119 ، وبهذه النية قبل الإمام التحكيم بعد أن أخذ العهد أن يحكموا بالعدل ، ولا يتجاوزوا حدود القرآن ، ومعنى هذا أن الإمام قد استجاب للقرآن في حكمه ، لا لمعاوية وجماعته ، قال الإمام في رسالة بعث بها إلى معاوية : « قد دعوتنا إلى حكم القرآن ، ولست من أهله ولسنا إياك أجبنا ، ولكن أجبنا القرآن في حكمه » ومن البداهة ان القرآن يشهد بالولاية لأهل الحق والعدل ، وينفيها عن المبطلين والظالمين ، قال تعالى : * ( « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * - 124 البقرة » والولاية من أظهر المصاديق لعهده تعالى ، وهي محرمة على معاوية لأنه من الفئة الظالمة الباغية التي قتلت عمار بن ياسر . ( وأما قولكم لم جعلت - إلى - يتثبت العالم ) . جاء في كتاب الاتفاق على التحكيم هذه الجملة « وأجل الموادعة سنة كاملة ، فإن أحب الحكمان أن يعجلا الحكم عجلاه » فاعترض جماعة على الأجل ، فأجابهم الإمام بأن القصد من الأجل أن يسأل الجاهل ويبحث ليظهر له المحق من المبطل ، وأن يزداد العالم يقينا وثباتا على علمه . . هذا ، إلى أن هناك بارقة أمل في رجوع الباغي عن بغيه مدة الهدنة . . وإن ضعف الأمل . ( ولا تؤخذ بأكظامها ) الهاء تعود إلى الأمة ، والمعنى أن من فوائد الهدنة أن تتنفس الأمة وترتاح بعض الشيء من القتال ، وأن يفكر من أساء في أمره عسى أن يعود إلى رشده ( فتعجل عن تبين الحق ، وتنقاد لأول البغي ) أي لو أن الإمام رفض الهدنة ، وتعجل في الأمر لكان معنى هذا انه قطع الطريق على من أخطأ وأساء ، وضرب حوله حصارا محكما ، ولم يعالجه بالحكمة ، ويترك له فرصة يدرأ فيها السيئة بالحسنة ( إن أفضل الناس عند اللَّه إلخ ) . . إن حبيب اللَّه هو الذي يتبع الحق وإن خسر دنياه ، وتراكمت عليه المصائب والكوارث ، ولا يتبع الباطل وإن زاد في ماله وجاهه . ومثله قول الإمام : الايمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك .