محمد جواد مغنية

170

في ظلال نهج البلاغة

آمالا ، وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا . تعبّدوا للدّنيا أي تعبّد ، وآثروها أيّ إيثار . ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلَّغ ولا ظهر قاطع فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة . بل أرهقتهم بالقوادح ، وأوهنتهم بالقوارع ، وضعضعتهم بالنّوائب وعفّرتهم للمناخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون . فقد رأيتم تنكَّرها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد لها ، حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد . وهل زوّدتهم إلَّا السّغب ، أو أحلَّتهم إلَّا الضنك ، أو نوّرت لهم إلَّا الظَّلمة ، أو أعقبتهم إلَّا النّدامة . أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنّون أم عليها تحرصون . فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ولم يكن فيها على وجل منها فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنّكم تاركوها وظاعنون عنها واتّعظوا فيها بالَّذين قالوا * ( « مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً » . ) * حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث . فلا يدعون ضيفانا . وجعل لهم من الصّفيح أجنان ، ومن التّراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة . إن جيدوا لم يفرحوا ، وإن قحطوا لم يقنطوا . جميع وهم آحاد ، وجيرة وهم أبعاد . متدانون لا يتزاورون ، وقريبون لا يتقاربون . حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم .