محمد جواد مغنية

145

في ظلال نهج البلاغة

المنون . وإنّهم على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلَّة غفلتهم عن أمرك ، لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزروا على أنفسهم . ولعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ، ولم يطيعوك حقّ طاعتك . سبحانك خالقا ومعبودا بحسن بلائك عند خلقك . خلقت دارا وجعلت فيها مأدبة : مشربا ومطعما وأزواجا وخدما وقصورا وأنهارا وزروعا وثمارا . ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها . فلا الدّاعي أجابوا ، ولا فيما رغَّبت رغبوا ، ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا . أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبّها ، ومن عشق شيئا أعشى بصره ، وأمرض قلبه . فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة . قد خرقت الشّهوات عقله ، وأماتت الدّنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه . فهو عبد لها ، ولمن في يده شيء منها . حيثما زالت زال إليها وحيثما أقبلت أقبل عليها . ولا يزدجر من اللَّه بزاجر ، ولا يتّعظ منه بواعظ . اللغة : المهين : الحقير . لم يشعبهم : لم يفرقهم . والمراد بالريب هنا صروف الدهر ، وبالمنون الدهر . وزروا : عابوا . وأعشى بصره : أعماه . وولهت : تحيّرت من شدّة الوجد .