محمد جواد مغنية
133
في ظلال نهج البلاغة
أفقا بدت آفاق لا حد لها ولا نهاية . . انه يرى المجهول على الدوام من خلال ما يخترع ويكتشف . . واذن فمن الجائز أن يكتشف العلماء سر الحياة ، بل من الجائز أن يخترعوا في يوم من الأيام انسانا في أحسن تقويم ، ولكن هذا لا يقدم ولا يؤخر في ايماننا باللَّه حتى ولو كان الانسان المخترع - بفتح الراء - كأرسطو في فلسفاته ، واينشتاين في نظرياته ، وشكسپير في شعره ومسرحياته . . ذلك لأن العلماء لا يخترعون شيئا ولو كان تافها إلا بمعونة الأسباب التالية : 1 - أن يكون لهم عقول يخططون بها ، ويجهدونها في التفكر والروية ، لأن العقل أصل ، والعلم فرع وثمرة من ثمراته . 2 - أن تتهيأ للعلماء المادة التي يحولونها إلى انسان ، سواء أكانت نباتا أم جمادا أم نطفة حيوان ، إذ يستحيل على العلم أن يوجد شيئا من لا شيء ، وليس من شك ان المادة التي يكيفها العلماء ويحولونها إلى شيء آخر - ليست من صنعهم . 3 - أن تتوافر لديهم المختبرات والأدوات الفنية ، لأنها الوسيلة لايجاد أي شيء فضلا عن ايجاد انسان بعقله وطاقاته . هذه الأسباب أو الشروط الثلاثة لا بد منها لكل من حاول أو يحاول غزو الطبيعة وتسخيرها لحاجة من حاجاته ، أو غاية من غاياته ، واللَّه الذي نؤمن به ونعبده غني عن كل شيء ، وكامل من كل جهة ، ولو احتاج إلى شيء لا يمكن أن يستقل بإحداث شيء ، بل لا بد أن يستعين بغيره ، ومعنى هذا انه ناقص ومحدود ومفتقر إلى شيء خارج عن ذاته يتم به ويكمل ، ومن البداهة ان الفقير والناقص والمحدود يستحيل أن يكون إلها . . إن ذات الإله الحق الذي نؤمن به - تمنح الوجود لغيرها بطبيعتها وبما هي بلا واسطة شيء على الاطلاق . . انها تريد فيوجد المراد بالفعل ، كما شاءت وأرادت . ان الإله الذي نؤمن به يقول للشيء : كن فيكون بلا جولة فكر ، ولا هندسة وتخطيط ، وعلاج آلات ، وأذرع وحركات ، وإذن فإيمان العارفين باللَّه لا يزعزعه شيء إلا إذا استطاع علماء الطبيعة أن يوجدوا شيئا من لا شيء ، وبمجرد أن يريدوا إيجاده بلا روية وتفكير ، وأدوات ومختبرات ، وأذرع وأعين ، ومتى تم لهم ذلك « فأنا أول العابدين » . وبكلام آخر : يجب قبل كل شيء أن ننظر إلى نفس الإله الذي آمن به من آمن ، ننظر إلى حقيقته وهويته ، فإن كان من جنس الطبيعة المادية المنفعلة التي