محمد جواد مغنية

125

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : قال ابن أبي الحديد : « وبخ الإمام ( ع ) بهذا الخطاب أصحابه الذين أسلموا مدنهم ونواحيهم لجيوش معاوية كالأنبار وغيرها » . إن اللَّه سبحانه أعز العرب بمحمد والاسلام ، وأعزه بهم ، فنشروا لواءه في أقطار الأرض شرقا وغربا ، واستقامت لهم الحياة صافية نقية ، والإمام ( ع ) يذكرهم بهذه النعمة بقوله : ( وقد بلغتم من كرامة اللَّه تعالى لكم منزلة تكرم بها إماؤكم ) وكنتم من قبل أشبه بالإماء والعبيد لضعفكم وهوانكم على الناس كما أشارت الآية 27 من سورة الأنفال : * ( « واذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِه ورَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ) * . ( وتوصل بها جيرانكم ) . في كتب اللغة : ان كلمة الجار تطلق على المجاور وعلى المجير والمستجير . والمراد بالجيران هنا كل من يمت إلى أهل الاسلام بصلة ( ويعظمكم - إلى - إمرة ) أي ان الاسلام جلب لكم نصرا مؤزرا ، وأضفى عليكم هيبة وجلالا ، وفرض احترامكم على الجميع حتى القوي كان يعظمكم لا من رهبة أو رغبة ، بل لأنه يراكم أهلا للتعظيم والتكريم ، قال ابن أبي الحديد : إن ملوك الهند والصين وأمثالهم هابوا دولة الاسلام ، وان لم يخافوا سطوتها ، لأنه شاع وذاع ان المسلمين قوم صالحون . ( وقد ترون عهود - إلى - تأنفون ) . كانت الحرب بين علي ومعاوية حربا بين الحق والباطل بين الدين الخالص للَّه ، وبين دنيا الضلال والفساد ، ومع هذا كان أصحاب الإمام يتثاقلون عن نصرته ، فقال لهم مؤنبا ومقرعا : تغضبون للآباء ، وتتعصبون لما أبرموا من عهود ومواثيق ، ولا تغضبون لعهد اللَّه وميثاقه إذا نقض وأهمل ( وكانت أمور اللَّه عليكم ترد ) بكسر الراء ، والمراد بأموره تعالى هنا شريعته وحلاله وحرامه ، وانهم كانوا يأخذونها من النبي ، ثم من الإمام ( وعنكم تصدر ) أي وأنتم بدوركم تعلَّمونها للناس ( واليكم ترجع ) وكان الناس يراجعونكم في معرفتها ودفع الشبهات عنها ، أو كان الناس يرجعونها إليكم بالنظر إلى أنهم يعلمونها أبناءكم وأحفادكم على حد تفسير ابن أبي الحديد . ( فمكنتم الظلمة - إلى أيديهم ) انتقل الحكم منكم إلى أعداء اللَّه وأعدائكم ، وأنتم السبب حيث عزفتم وضعفتم عن قتالهم وجهادهم . . لقد جاهد المسلمون من قبل ، وهم على يقين من احدى الحسنيين : أما الانتصار على الأعداء مع الأجر